مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ البقرة 54.
ثم طال عليهم الأمد واستفحل اغترارهم بأنفسهم أيضا {ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ} عمي وصم أكثرهم عن الحق وارتكبوا ما ارتكبوا من الآثام فحلت بهم وبدارهم الفتنة، لأن البلاء يصيب الكافة إذا كثر الفساد كما قال تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} الأنفال 25، وقال صلى الله عليه وسلم عندما سئل أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: (نعم إذا كثر الخبث) .
وزيادة في التحذير مما ارتكبه بنو إسرائيل وما قد ترتكبه الأمة الإسلامية الوارثة ختم الحق سبحانه هذه التذكرة بقوله: {وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} يسمع أقوالهم ويبصر أعمالهم {لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} سبأ 3.
لقد أوجز الحق تعالى في هذه الآيات الكريمة مسيرة بني إسرائيل في التعامل مع الرسالة الإلهية ورسلها وأنبيائها أبلغ إيجاز، وبين فيها بأدق عبارة وأوفاها ما مردوا عليه من النكول عن ميثاقهم مع الله، وعدوان على أوليائه من الأنبياء والدعاة، وفصَّل بأبلغ عبارة ما نالهم من عقاب وعذاب، وذلك ما ينبغي أن يعتبر به أولو النهى في الأمة الإسلامية، وقد لاحت في مجتمع المسلمين حاليا بوادر ما انتهى إليه بنو إسرائيل حين طال عليهم الأمد ونسوا حظا مما في دينهم وقست قلوبهم فتوالت عليهم ضروب الفتن والمحن، لا سيما والقرآن الكريم في عدد من سوره حذر من ذلك، قال تعالى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا} الأعراف 169، وقال: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} مريم 59. والرسول صلى الله عليه وسلم قال: (لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا بشبر أو ذراعا بذراع حتى لوسلكوا جحر ضب لسلكتموه قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟) .