تخليص هذا التصور من بقايا شوائب المعتقدات والعادات والعبادات والعلاقات الموروثة، وَضرورة وَصْلِه وصلا محكما بالجانب العملي من حياة المؤمن، تفصيلا للأحكام الشرعية في الحلال والحرام، مآكل ومشارب ومناكح ومناسك، وروابطَ اجتماعية وعلاقاتٍ بغير المسلمين، لا سيما وقد أقبل العرب على الإسلام بعد فتح مكّة إقبالا شديدا كما قال تعالى: {يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا} النصر 2، وكان قِصَرُ مدة أداء مناسك الحج، واتّساعُ مكان انتشار الحجاج في مكة وما حولها يقتضيان المبادرةَ بترسيخ ما بقي من الشرائع، وكفَّ المسلمين عن عادات وتقاليد ما زالت فاشية في بعضهم، في زمن هو أهم مفاصل تبليغ رسالة الإسلام، إعدادا لإتمام الرسالة، وتأهبا لانتقال رسولها صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى.
على هذا النهج العام وفي سياقه تمضي السورة وقد جُودِل فيها المشركون واليهود والنصارى حول فساد ما يعتقدونه وما يحلونه وما يحرمونه، وما يغالون في إباحته أو تحريمه ومحبته وكرهه، لتُبيِّن لمن تاب منهم ولكافة المؤمنين بقية من الأحكام التشريعية العملية في حياتهم الخاصة والعامة بدءا بطيبات من الحياة التي كان بعضهم يحرمها، ثم بعادات سيئة كانت محمودة في مجتمعهم كالعدوان حمية أو فتوة وجسارة أو جشعا ومباهاة، وذلك بقوله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} أي لا تمنعوا أنفسكم ما طاب ولذ مما سخره الله لكم وجعله حلالا، ولا تحرموه على أنفسكم مبالغة منكم في التزهد أو التعبد أو التقشف، لأن الطيبات المباحة وجه من أوجه نعم الله تعالى الكثيرة في الحياة الدنيا {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} النحل 18، جعلها عز وجل قواما للناس بَرِّهم وكافرِهم، ووضع لها من الأحكام ما يتيح الاستفادة منها ويقي شر إساءة استعمالها، وأنار بها طريق معرفته وسبل الإيمان به والاهتداء إلى دينه فقال عز وجل: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ} النحل 72، لذلك كان من الإثم الكبير الاعتداء على هذه الطيبات بتحريم نافعها