فهرس الكتاب

الصفحة 233 من 278

الذي أحله الله تعالى أو بتحليل ضارها الذي حرمه، أو الخوض في التحليل والتحريم بالكذب على الله تعالى، قال عز وجل: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} النحل 116.

لقد كان المشركون في الجزيرة العربية يحرمون من أموالهم أشياء كثيرة أكد الله عز وجل أنها ليست حراما، مثل البحيرة والسائبة والوصيلة والحام بقوله: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ} المائدة 103، وقوله: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} المائدة 140.

كما كان اليهود يحرمون على أنفسهم لحوم الإبل وألبانها مع أنها لم تحرم عليهم في التوراة، وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم:"تزعم أنك على ملة إبراهيم، وكان إبراهيم لا يأكل لحوم الإبل وألبانها وأنت تأكلها فلست على ملته"، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كان ذلك حلالا لإبراهيم عليه السلام) ، فقالوا:"كل ما نحرمه اليوم كان ذلك حراما على نوح وإبراهيم حتى انتهى إلينا"، فأنزل الله تعالى هذه الآية {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} آل عمران 93، أي: أن كل الأطعمة كانت حلالا لبني إسرائيل، وأن التوراة لم تنزل بتحريمها.

أما النصارى وقد جاءت الآية الكريمة تفريعا لما تقدّمها من الثناء علبهم، وكان من سنّتهم المبالغة في الزهد والرهبانية والانقطاع في الأديرة والكنائس والصوامع، والامتناع عن الزواج والتقلل في تناول الأطعمة الطيبة والأشربة اللذيذة تقشفا ورغبة عن الدنيا، فاقتضى المقام التنبيه إلى أنّ الثناء السابق على بعض خصالهم لا يعني اطّراده على جميع أحوالهم، لا سيما وقد طمحت نفوس بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى التقلّل من بعض لذائذ العيش والتنافس في الزهد مثلهم، فقال أحدُهم: أمّا أنا فأقوم الليل لا أنام، وقال الآخر: أمَّا أنا فأصوم النهار، وقال آخر: أمّا أنا فلا آتي النساء، فبلغ خبرُهم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فبعث إليهم فقال: (ألَمْ أُنَبَّأ أنَّكم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت