فهرس الكتاب

الصفحة 234 من 278

قلتم كذا؟)، قالوا: بَلَى يا رسول الله وما أرَدْنا إلاّ الخَيْر، قال: (لَكِنِّي أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وآتي النساء، فمن رغب عن سنّتي فليس منّي) . كما رُوي أنّ ناسًا منهم أبو بكر وعليّ وابن مسعود وابن عُمر وأبو ذرّ وسالم مولى أبي حذيفة والمقدادُ بن الأسود وسلْمان الفارسي ومعقل بن مُقَرّن اجتمعوا في دار عثمان بن مظعون واتّفقوا على أن يرفُضوا أشغال الدنيا، ويتركوا النساء ويترهّبوا. فقام رسول الله فغلّظ فيهم المقالة، ثم قال: (إنّما هلك من كان قبلكم بالتشديد، شَدّدوا على أنفسهم فشدّد الله عليهم فأولئك بقاياهم في الديار والصوامع) . وفي رواية: أنّ ناسًا قالوا: إنّ النصارى قد حرّموا على أنفسهم فنحن نحرّم على أنفسنا بعض الطيّبات، فحرّم بعضهم على نفسه أكل اللحم، وبعضهم النوم، وبعضهم النساء؛ وأنّهم ألزموا أنفسهم بذلك بأيمان حلفوها على ترك ما التزموا تركه. فنزلت هذه الآية منبهة إلى هذا الخلل في التوجه باعتباره عدوانا على شرع الله وتدخلا فيما هو خاص به سبحانه بقوله تعالى عقب ذلك:

{وَلَا تَعْتَدُوا} والاعتداء افتعال العدْوِ وهو الظلم. ذُكِر النهي عنه عقب النهي عن تحريم الطيّبات للدلالة على أنّ المراد النهي عن تجاوز حدّ الإذن المشروع في كل شيء كما قال تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا} البقرة 229.

ولئن كان سياق هذه الآية يحصر العدوان بتحريف الشريعة في تحريم ما أحل الله تعالى للناس وكان مفهوم المخالفة فيها يحرم تحليل ما حرم الله تعالى فإن قاعدتها الكلية تقتضي اعتبار كل مس بالشريعة الإسلامية بالزيادة أو النقص أو الإهمال أو الإغفال أو التشكيك في جدواها أو ادعاء عدم صلاحيتها لزمان أو مكان عدوانا على الدين وأهله ومنزِّلِه، لذلك عقب تعالى بالتحذير منه بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} ومن لا يحبه الله تعالى فقد أبغضه، ومن أبغضه الحقُّ كانت النار مثواه.

ثم عقب عز وجل بدعوة الناس إلى مائدته في الأرض دعوة كريمٍ غنيٍّ فقال: {وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا} ما عليهم من حرج في الحلال الطيب، وليس لأحد من الخلق أن يحرمه،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت