قال تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} الأعراف 32، ذلك لأن الله عز وجل إذ خلق الخلق قدر له أقواته ووفر له حاجاته وما كان عنه غافلا: {وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ} المؤمنون 17، كل ما في الأرض من الطيبات مباح، والأصل في الأرزاق الإباحة إلا ما حرم بنص، وللمؤمن على تمتعه بالمباحات أجر امتثاله لأحكام الشريعة فيما يناله منها، لذلك ذكَّره الحق سبحانه بالتقوى في ما يأخذ ويطلب وما يذر ويترك فقال عز وجل: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ} أنتم مؤمنون بالله تعالى، ومقتضى هذا الإيمان أن تتقوه وتخافوا عقابه وتجعلوا بينكم وبين غضبه وقاية من طاعة وشكر وامتثالِ أوامرَ واجتناب نواهٍ، وإحسانِ عبادة، ومن الإيمان ألا تحرموا ما أحل الله تعالى، ومن الإيمان ألا تقسموا على الامتناع عن المباح من الطيبات، كما فعل بعض الصحابة.
ثم بالتفات لطيف إلى بعض المسلمين الذين أقسموا على تحريم بعض ما أبيح لهم من الأطعمة والأنكحة تزهدا وغلوا في التعبد أو مجاراة لليهود والنصار والمشركين، بين لهم الحق سبحانه تَحِلَّةَ أيمانهم وكفارتها وما هو منها لغو وما هو منعقد فقال سبحانه مبتدئا بلغوها:
{لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} ولفظ"اللغو"من فعل: لَغَا الْإِنْسَانُ يَلْغُو، ولَغَى يَلْغَى، ولَغِيَ يَلْغَى لغوا، إِذَا ألقى الكلام عفوا وخلط فيه أو نَثَرهُ من غير قصد، واللغو ما يورده صاحبه من غير روية أو فكر، وما لم تنعقد عليه النية والقصد، ومنه ألغى الشيء إذا أسقطه أو أبطله. أما لفظ"الأَيْمان"فمفرده"يمين"وهو القسم، وكان العرب إذا تحالفوا أَو توافقوا على شيء ضرب كل امْرِئ مِنْهُم يَمِينه على يَمِين صَاحبه، فَيُقَال لأحدهم اذا فعل ذَلِك أَخذ يَمِينه أو أخذ صفقته، ثمَّ قيل للحلف بِاللَّه أو بِكُل مَا يُحلَف بِهِ يَمِين، وعدّوه قاطعا في بيان الحق من الباطل كما قال زهير: وإنَّ الحقَّ مَقْطَعُه ثلاث ... شُهُودٌ أو يَمِينٌ أو جلاءُ.