ثم لما نزلت الشريعة جعلته أحد شرطين في إثبات الحقوق ونفيها وقال صلى الله عليه وسلم: (المدَّعَى عليه أولى باليمين إلا أن تقوم عليه البينة) .
أما اللغو في اليمين الذي لا مؤاخذة فيه ولا يتعلق به حكم فمنه ما يجري على الألسنة من قولهم: لا والله، وبلى والله، من غير اعتقاد في ذلك، وقد قالت عائشة رضي الله عنها عندما سئلت عنه:"هو قول الرجل: لا والله، بلى والله"، ومنه أيضا عند الفقهاء أن يحلف الرجل على الشيء يراه كذلك وليس كذلك، أو يحلف على أمر ماض وهو يظنّ أنّه حقّ والأمر بخلافه، كأن يقول والله لقد فعلت، معتقدا أنّه فعل وهو لم يفعل، أو يقول والله ما فعلت، معتقدا أنه لم يفعل وهو قد فعل، وَقِيلَ: هُوَ الْيَمِينُ فِي المعصية يقسم الرجل أن يرتكبها، أو هو اليمين فِي المِرَاء أو الهَزْل، وقيل هو اليمين في حالة الغضب كما نسب لابن عباس رضي الله عنه. إلا أن هذا الصنف من الأيمان وإن لم لكن فيه مؤاخذة ولا كفارة لا يجوز التمادي فيه، لأن تعوده قد يقود إلى الأيمان المحرمة المؤاخذ عليها. ولذلك عقب الحق تعالى بالأيمان المؤاخذ عليها بقوله عز وجل:
{وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ} وهذه الأيمان تُدْعَى المنعقدةَ والمعقودةَ، من عَقْدِ القلب الذي هو العزيمة والقصد إلى اليمين، يقسم فيها المرء حرا غير مكره على فعل أو ترك في المستقبل، كما في قوله تعالى أيضا: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} البقرة 225، أي: لا يؤاخذكم الله أيها المؤمنون بما لغوتم فيه من أيمانكم، ولكن يؤاخذكم بما أوجبتموه منها على أنفسكم، وعُقِدَتْ عليه قلوبكم. ويترتب عليكم بذلك إما البر بالقسم، وإما الحِنْث وفيه الكفارة، ومن ذلك مثلا أن يحلف المرء على أن يفعل شيئا أو أن لا يفعله، فلا يوفي بما حلف عليه فعلا أو تركا، أو يحلف على شيء ثم يرى غيره خيرا منه فيختاره، وفي الحالين تَجُبُّ الكفارة إثْمَ الحنث، لقوله صلى الله عليه وسلم: (من حلف على شيء فرأى خيرا منه فليحنث وليكفر) لأنه تعالى غفور حليم.
أما كفارة الحنث في هذه الأيمان فيفصلها قوله تعالى عقب ذلك: