فهرس الكتاب

الصفحة 243 من 278

ولئن حفلت هذه السورة الكريمة من مبدئها إلى منتهاها بالأحكام الشرعية التي لم يعقبها نسخ، وكانت آيات الحلقة السابقة متعلقة بالمحرمات المستقذرة في نفسها وما تؤدي إليه، خمرا وأزلاما وميسرا وأنصابا، فإن الشريعة الغراء قد أوردت بعدها محرمات أخرى الأصل فيها الإباحة، لأنها ليست مستقذرة في ذاتها، والتحريم لها مؤقت لسبب خارج عنها متعلق بحال المرء أو مكانه وظروفه، ولئن كان هذا الصنف من المحرمات لغيرها يغطي مساحات كبيرة من النشاط الإنساني الذي تحكمه المروءات أو تضبطه النصوص كما في تحريم الكلام بغير الذكر المأثور في الصلاة مثلا، وتحريم مباشرة الزوجة في حال الظهار قبل أداء الكفارة كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} المجادلة 2، فإن الحق سبحانه خص آيات هذه الحلقة بأحكام متعلقة بتعظيم حرماته في البيت العتيق والأشهر الحرم وما يجب على من انقدح نور الإيمان في قلبه وامتلأت جوانحه بالبر والتقوى فقال عز وجل:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} خاطبهم تعالى بصفة الإيمان لأن من مقتضياته الاستماع والطاعة، ثم رحمة بهم وتلطفا وتربية متدرجة لعزائمهم وتنمية لقدراتهم الذاتية بين لهم وجه الأمر في هذا التكليف فقال مؤكدا بلام القسم ونون التوكيد: {لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ} لَيختبرنَّ الله تعالى طاعتكم من معصيتكم، وليبلونَّ عزائمكم ومدى صبركم على ما تشتهيه أنفسكم أثناء إحرامكم للحج أو العمرة، وذلك بأن يسوق في طريقكم شيئا ولو قليلا من صيد البر {تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ} يسهُل عليكم أخذُه، إما بأيديكم كبيض الطيور البرية وفراخها وما لا يستطيع أن يفر من الحيوانات، وإما بإصابة النَّبْل والرماح كالحمر الوحشية والبقر والظباء والوعول.

ثم لمزيد من إظهار رحمة الله ولطفه بهم ساعدهم على تجاوز هذا الابتلاء بنجاح فبيين الحكمة منه بقوله عز وجل:

{لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ} ولا شك أن الله تعالى يعلم خبيئة نفوس من يخافونه بالغيب ومن لا يخافونه، إلا أنه سبحانه لا يحاسبهم بما يعلمه عن قلوبهم، وإنما بما ينكشف في حياتهم العملية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت