مما تخفيه قلوبهم وضمائرهم، وبما يعملونه في الواقع وما يسعون فيه، ليتميز بذلك الصادق من الكاذب والمؤمن من المنافق وتكون الحجة عليهم أو لهم يوم القيامة أبلغ وأثبت {فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} فمن أصر على تجاوز حدود ما أنزل من الشريعة، واعتدى بالصيد بعد هذا البيان والاختبار كان عذاب الدنيا والآخرة مآله وعاقبة أمره.
لقد تميز هذا الاختبار الإلهي لأفواج المقبلين على الحرم المكي للحج والعمرة ولكافة المسلمين في كل عصر بثلاثة أمور تبدو بسيطة ميسرة، ولكنها في حقيقة أمرها شاقة على النفوس الضعيفة التي لا تستطيع مقاومة شهواتها وملذاتها وما نشأت عليه من عادات.
أولها إخبارهم ابتداء بأنه مجرد ابتلاء من أجل كشف النوايا ودواخل النفوس والقلوب، وتعويدهم على السمع والطاعة في المنشط والمكره والسر والعلن، وأن العبرة بما يظهره هذا الاختبار من خبء الضمائر وخلفيات الظواهر في الأعمال والتصرفات، وتلك سنة إلهية في ابتلاء من سبق من الأمم المسلمة، كما في قوله تعالى عن جنود طالوت: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِه} البقرة 249.
والأمر الثاني أن مقدار ما يبتلون به قليل عبَّرَ عنه تعالى بقوله: {بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ} أي: بمقدار قليل أو تافه مما يصاد، يستصغره المرء ولا يلقي له بالا فيتجرأ على المعصية ويهلك، وقد قال صلى الله عليه وسلم عن محقرات الذنوب: (إياكم ومحقرات الذنوب، كقوم نزلوا في بطن واد فجاء ذا بعود وجاء ذا بعود حتى أنضجوا خبزتهم وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه) .
والأمر الثالث أن سهولة تناول الصيد بالأيدي والرماح تغري الآخذ المتهور المتعجل وتحرضه على الفعل المخالف من غير تثبت أحيانا. وقد ذكر في الأثر أن المسلمين في عمرة الحديبية كان الصيد وحشا وطيرا يغشاهم في رحالهم بكثرة لم يعهدوا مثلها قط فيما مضى، ولما نهاهم الله تعالى