ثم علل الحق سبحانه جَعْلَه هذه الحرمات قياما وإصلاحا للناس ومعلمة من معالم تقوى القلوب بقوله:
{ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} جعل الله تعالى تشريعه لاستتباب الأمن في الأشهر الحرم والبيت الحرام وسلامة العاكفين والبادين فيه، وتعظيم حرماته أرضا وسماء ونفوسا وطيرا ووحشا ونباتا، كي تعرفوا مدى إحاطة علمه بكل شيء في السماوات والأرض، وتتدبروا جميل صنعه في رعاية خلقه، ويتضح لكم بالغ حكمته وعلمه بكل ما يصلح لكم ويقيم أمركم، قال عز وجل: {لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} سبأ 3.
ولئن سُوِّلَ لبعض النفوس المريضة الاستهانةُ بأحكام الله تعالى وشريعته فلا يغيبن عن أحد ما يُعِده تعالى من عذاب شديد للمخالفين: {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} كما لا يغيبن عن النادمين أن باب التوبة مفتوح {وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} وأن الله غفار للذنب رحيم بالعباد، وهذه الآية متضمنة للترهيب والترغيب، والوعيد والوعد، وعيد للمخالفين ووعد لمن آمن وعمل صالحا وامتثل أوامر الشرع ونواهيه، قدم فيها تعالى الوعيد على الوعد لأن العصاة قد يتوبون فينتهي أمرهم إلى المغفرة والرحمة، لا سيما والتوبة تجب ما قبلها، قال تعالى: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} الفرقان 70، وقال صلى الله عليه وسلم: (إنّ الله عز وجل يبسط يده بالليل؛ ليتوب مُسيءُ النهار، ويبسط يده بالنهار؛ ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها) ، ورحمة الله تعالى ثابتة بالأصالة وقد سبقت غضبه، قال تعالى: {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} الأنعام 54، وقال صلى الله عليه وسلم: (كتب ربكم على نفسه بيده قبل أن يخلق الخلق: رحمتي سبقت غضبي) .