فهرس الكتاب

الصفحة 254 من 278

{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا} كان ذلك إيذانا بقرب التحاقه صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى.

وقد استوعب صلى الله عليه ما تشير إليه سورتا المائدة والنصر من دنوِّ أجله فجلس على المنبر بعد عودته من الحج وقال لأصحابه: (إن عبدًا خيره الله بين أن يؤتيه زهرة الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عنده) ، فبكى أبو بكر حينما سمع هذا الكلام وقال:"يا رسول الله فديناك بآبائنا وأمهاتنا". وكان ما قدره الله تعالى أمرا واقعا إذ لم يُعمَّر النبي صلى الله عليه وسلم بعد حجة الوداع إلا واحدًا وثمانين يومًا، أو اثنين وثمانين يومًا، ولم يحصل في الشريعة بعد المائدة زيادة ولا نسخ ولا تبديل. وما كاد شهر صفر من السنة الحادية عشرة للهجرة ينتهي حتى اعتل عليه الصلاة والسلام ومرض ثم توفي يوم الاثنين في الثاني عشر من ربيع الأول، وعمره ثلاث وستون سنة على أرجح الروايات، صلى الله عليه وسلّم أزكى ما تكون الصلاة وأطيب ما يكون التسليم.

ولئن قرن الله تعالى إكمال الدين في سورة المائدة وتبليغ الرسالة بتمام عمره صلى الله عليه وسلم في الحياة، وجعل لذلك معالم من التنزيل الحكيم والإشارات النبوية، فإن في السياق العام لآيات سورة المائدة أيضا إشارة لكل متبصر ومتدبر، ذلك أننا إذا استعرضنا الأحكام الشرعية الواردة فيها وقد أتمت بيان ما سبق منها في القرآن، وأضافت ثمان عشرة فريضة ليست في غيرها علمنا أن الدين قد كمل، وأن النبوة قد أتمت مهمتها، وإذا استعرضنا ما بقي مما لم نشرحه من أحكامها تبين لنا أنه ثلاث لبنات هنَّ أساس في بناء الدين لا غنى عنها للمؤمن. ولذلك صيغت كلها مبدوءة بالنداء الرباني الخالد: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} ، وأعقب كل نداء منها أمر إلهي يتضمن حكما شرعيا ينير جانبا كان مظلما في حياة المؤمن المقبل على ربه.

أول هذ النداءات قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} والآية نهيٌ منه تعالى للمؤمنين عن سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمور لم يأت بها تكليف ولم يؤمروا بالبحث عنها، وإرشادٌ إلى أدب سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي: لا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت