تكثروا مسألة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن أشياء من أمر الدنيا يكون جوابها مساءةً لكم، أو عن أشياء متعلقة بأحكام الدين سكت عنها القرآن والسنة فينزل فيها تكليف شرعي يُعنِتكم ويشِق عليكم وتعرِّضوا أنفسكم لغضب الله بالتفريط فيه. وذلك مثل ما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فقال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ) فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: أكلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: فَسَكَتَّ عَنْهُ حَتَّى أَعَادَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قَالَ: (لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَوْ وَجَبَتْ مَا قُمْتُمْ بِهَا، ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ فَإِنَّمَا هَلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالهُمْ وَاخْتِلَافهمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءِ فَاجْتَنِبُوهُ وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ) .
ويبدو من سياق أحداث حجة الوداع وما بلغنا من أحاديث صحيحة تقوي أخرى ضعيفة أن الناس استشعروا قرب وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم فأكثروا سؤاله عما خفي عنهم من أمور دنياهم وآخرتهم مما قد تضرهم أو تحزنهم معرفته، من ذلك ما رواه أنس أن النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم خرج حين زاغت الشمس فصلَّى الظهر، فلما سلم قام على المنبر، فذكر الساعة، وذكر أن بين يديها أمورا عظاما، ثم قال: (من أحب أن يسأل عن شيء فليسأل عنه، فوالله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به ما دمت في مقامي هذا) . قال أنس: فأكثر الناس البكاء، وأكثر رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يقول: (سلوني) . قال أنس: فقام إليه رجلٌ فقال: أين مدخلي يا رسولَ اللهِ؟ قال: (النار) ، فقام عبد الله بن حذافة فقال: من أبي يا رسولَ اللهِ؟ قال: (أبوك حذافة) . قال: ثم أكثر أن يقول: (سلوني، سلوني) . فبرك عمر على ركبتيه فقال: رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا، وبمحمد صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رسولا. قال: فسكت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حين قال عمر ذلك، ثم قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (أَوْلَى [[1] ]، والذي نفسي بيده، لقد عرضت علي الجنة والنار آنفا في عرض هذا الحائط وأنا أصلي، فلم أر كاليومَ في الخير والشر) . وفي رواية لأبي
(1) - أوْلى: كلمة للتهديد، معناها قرب منكم ما تكرهونه، ومنه قوله تعالى: {أوْلَى لك فأوْلى} القيامة 35.