هريرة قال: خرج رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وهو غضبانُ مُحمارٌّ وجهُه حتى جلَس على المِنبرِ، فقام إليه رجلٌ فقال: أين أبي؟ قال: (في النارِ) ، فقام آخرُ فقال: مَنْ أبي؟ قال: أبوك حُذافةُ)، فقام عمرُ بنُ الخطابِ فقال: رضينا باللهِ ربًّا، وبالإسلامِ دِينًا، وبمحمدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ نبيًّا، وبالقرآنِ إمامًا، إنا يا رسولَ اللهِ حديثو عهدٍ بجاهليةٍ وشركٍ، واللهُ يعلمُ مَنْ آباؤُنا، قال: فسكَن غضبُه ونزلتْ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُم} .
لذلك كان من أهداف هذه الآية الكريمة تربية المسلمين على أدب مخاطبة نبيهم صلى الله عليه وسلم، وعدم سؤاله عما قد يسوؤهم العلم به من الغيب، أو ما قد يُرتِّب عليهم تكاليف شاقة لا يطيقونها، أو يُضيِّق ما وسع الله به عليهم.
ثم بعد أن أرشدهم تعالى إلى أدب السؤال وموضوعه هداهم إلى حسن اختيار مناسبته وظروفه فقال عز وجل:
{وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ} ولكن إذا نزل القرآن وابتدأكم بأمر أو نهي فلكم حينئذ أن تسألوا عن بيان ما نزل وعن تفصيل العمل به {عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} عفا الله عما سلف من أسئلتكم هذه، وعن إغضابكم رسول الله وإلحاحكم عليه في المسألة، لأن الله غفور رحيم يعاملكم بلطفه ورحمته ولا يحملكم ما لا طاقة لكم به ولا يعاجلكم بالعقوبة فيما فرط منكم.
ثم لتوعيتهم بما قد يؤدي إليه سلوكهم هذا ضرب لهم الحق سبحانه المثل بأمم قبلهم أُعطوا ما سألوا فكان العطاء وبالا عليهم فقال: {قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ} ، وقد ذكر القرآن الكريم ممن سألوا أنبياءهم أشياء فكانت وبالا عليم قوم ثمود: {قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ}