الغيب حقيقة ربانية لا يتم إسلام المرء إلا بالإيمان به، ولا يُقبل عمل لمن أنكره، قصُرت العقول عن إدراكه، وكلَّت الأفهام عن اقتحام مكنونه، من جحده رَدِيَ ومن ادعى الاطلاع عليه هلَك، ومن شك فيه أو تلجلج على خطر عظيم، ومن اطمأن قلبه به على بوابة من الهدى، فليتق الله فيما بقي من أركان الإيمان وبواباته. لذلك تقدم ذكره على الصلاة والزكاة في أول سورة البقرة إذ قال تعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} البقرة 3.
ولئن كان أشد الغيوب خطرا على الإنسان هو ما غُيِّب عنه من مصيره يوم الحشر بين يدي الله تعالى، فإن دون ذلك ثلاث مغيبات أخرى لا بد أن يلقاها قبل أن ينعم بسعادته الدائمة أو يعيش شقاوته المخلدة، ثلاث مغيبات هن الموت ثم البعث ثم الحشر للحساب.
أما الموت فلا يُدرَى متى ولا أين ولا كيف يأتي: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ} ق 19، وأما البعث فله نفختان: نفخة الصعقة ونفخة القيام: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ} الزمر 68. وأما الحشر بين يدي الله تعالى فذلك اليوم الذي يجعل الولدان شيبا من شدة هوله وكربه: {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا} النبأ 38 - 39.
إن الناس من هذا اليوم العصيب فريقان: فريق يخاف ويرجو ويتصوره على حقيقته التي ذكرها القرآن الكريم فيتقيه ويجدّ السير نحوه في مرضاة ربه: {وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} الأنعام: 51، وآخرون لاهون عنه عابثون لا يبالون: {اتَّخَذُوا دينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحيَاة الدُّنْيا} الأنعام: 70، إنه يوم الفصل الذي أعد له الأتقياء عدته ونسي منه الأغبياء شدته: {إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} الدخان 40 - 42. يوم العدل الأكبر السريع تغشاه رحمة الله للذين سبقت لهم منه الحسنى: الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا