ولئن كان الإقبال على الله توبة وإنابة، واللجوء إليه رهبا ورغبا وافتقارا واحتياجا من أعظم أسباب نيل الرضا وإدراك القُرَب، وتسنُّم الرُّتب، فإن ذلك ليس بالأمر الهين، أو النوال السهل، إذ ما كل من يُقبِل مقبول، ولا كل طالب وصل بموصول، ولا بد لطارق الباب من تَحَلٍّ وتَجَمُّل، تحلٍّ بحسن سمْتٍ وآداب، وتجمُّلٍ يباشر القلوب ويغشى النفوس والعقول والألباب، وجُمَّاع ذلك كله الطهارة مظهرا ومخبرا، طهارة الأرواح من خبث المشاعر والأهواء والعادات، والأجساد من سنخ الأدران والمحرمات، والجوارح من آثام الأعمال والأقوال والتصرفات.
وما دام أشرف إقبال للمرء على ربه وأعلى مقامات قنوته ببابه أن يقف بين يديه للصلاة، لكون الصلاة عماد الدين وأشرف عباداته، ولا تؤدى على حقها إلا بالخالص من النوايا والأقوال والأعمال، والطاهر الطيب من الأبدان، فقد كانت الآيات الأولى في سورة المائدة مقدمة وممهدة لهذه العبادة الجليلة، إذ بينت للمؤمنين ما يحل لهم وما يحرم عليهم من المآكل والمشارب والمناكح، حماية للأجساد من السحت وتحصينا للأنفس من الفواحش، وللسرائر من أمراض القلوب، وحذرتهم من الظلم والعدوان ابتدء ومجازاة، وأمرتهم بالتعاون على البر والتقوى تكافلا وتغافرا ومعاملة حسنة وكلمة طيبة، وأهلتهم بذلك لأعظم الطاعات بعد الإيمان، للصلاة التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة فإن صلحت صلح سائر عمله وإن فسدت فسد سائر عمله) ، ثم عقبت ببيان ما يجب الإعداد به لهذا المقام الرضي المحمود من طهارة للأبدان وضوءا وغسلا وتيمما بقوله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ} والنداء في هذه الآية موجه للمؤمنين، لأن غير المؤمنين يُدْعَوْن للإيمان أولا قبل أن يُؤمروا بالصلاة، ولأن الصلاة ركن الإسلام الركين، أجمع المسلمون على أن من أنكر فرضها كافر. أما القيام في قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ} فقد عبر به عن قصد الصلاة ونية التوجه لها، لأن الوضوء عبادة ولا بد فيه من النية وهي ركنه، لقول الرسول صلى الله