ثم لما بين الحق سبحانه ما جبل عليه أكثر اليهود من نقض للعهود وجراءة على الخيانة عقب بذكر الطائفة الثانية من أهل الكتاب وهم النصارى، وأنهم لم يكونوا في أخذهم الإنجيل بأحسن حال من اليهود مع التوراة فقال عز وجل:
{وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ} في الإنجيل {فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} تركوا أخطر تعاليمه وأهمها، تركوا التوحيد الخالص فاختلفوا عقيدة وشريعة {فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} فتفرقوا طوائف متعادية متباغضة متحاربة، بينها من الشقاق والأحقاد ما سالت به على أيديهم دماؤهم، سواء بسبب خلافاتهم العقدية حول التوحيد والتثليت، أو تناحرهم حول الزعامة الكنسية أو المصالح السياسية والاقتصادية، منذ تنصر إمبراطور القسطنطينية الوثني وعمل على تغيير التوحيد المسيحي بسطوة الملك وقهر السلطان، وما زالت هذه الفتنة ماضية فيهم إلى يوم القيامة كلما قيل نامت استيقظت أو قيل خمدت ثارت {وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} ويوم القيامة سوف يعرفون فساد ما صنعوا ويلقون جزاء ما أحدثوا.
وبعد، فلقد كان مراد الخطاب القرآني من هذه الآيات الكريمة كلها أن يتعظ المسلمون في كل عصر بحال أهل الكتاب، ويعتبروا بما آل إليه أمرهم من نقض للعهود وترك لأحكام الدين، وتمزق طائفي وتناحر دموي، والعاقل من اتعظ بغيره، والجاهل من اتعظ بنفسه، والنبيه يستيقظ قبل أن يوقَظ، ويَعتبِر قبل أن يُعتبَر به، وقصص القرآن الكريم وأخباره معالم لليقظة والاعتبار، قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى} يوسف 111؛ فهل استوعب مسلمو هذا العصر قوله تعالى: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} الحشر 2؟ وهل حذِروا ما حذَّرهم منه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال: (لتتبعن سنن الذين كانوا من قبلكم حذو النعل بالنعل حتى إن أحدهم لو دخل جحر ضب لدخلتموه) ؟
واقع الحال أن كثيرا من مسلمي هذا العصر شعوبا وحكاما - إلا من أراد الله بهم خيرا - نقضوا ما عاهدوا الله عليه، {وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} . ولئن خاطب الحق سبحانه أهل الكتاب إذ لم يحكِّموا في حياتهم التوراة والإنجيل بقوله عز وجل: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ