حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ المائدة 68، فإن كثيرا من دول المسلمين أيضا ليست على شيء من تحكيم شريعة القرآن الكريم في أمرها، لاستبدالها القوانين الوضعية واستغنائها بها. ولئن قتل اليهود بعضهم فخاطبهم تعالى بقوله: {ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} البقرة 85، وطاردوا أنبياءهم واغتالوهم فقال لهم: {أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} البقرة 87، فإن المسلمين ارتكبوا ويرتكبون نفس الآثام بقتلِهم خلفاءَهم الراشدين وعترةَ نبيهم الكريم صلى الله عليه وسلم، واضطهادِهم في كل عصر ومصر دعاةَ الحق سجنا وقتلا ونفيا وتشريدا للأهل والذرية. ولئن حذرهم القرآن من الفرقة والتمزق الطائفي بقوله تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} آل عمران 105، فإنهم الآن فرق متناحرة وطرائق متنافرة ونحل تدَّعي وصلا بالدينِ والدينُ لا يقر لهم بما يدعون، فلا عجب أن يتجرعوا حنظل الندامة بعد أن استهانوا بصادق النصح ولطف العتاب ولين الملامة، ولم يعبؤوا بجميل البشارة أو صريح النذارة، وأن تقرعهم قوارع الفتن والمحن لإعراضهم عما نزل إليهم وإصرارهم على ما تهوى أنفسهم، وأن يصيبهم ما أصاب القرون الأولى ذلا وخسارا، والأمم السالفة صغارا ودمارا.