الخطبة الثانية
الحمد لله جعل جنَّات الفردوس لعباده المؤمنين نزلًا، ونوَّع لهم الأعمال الصالحات؛ ليتخذوا منها إلى تلك الجنات سبلًا، وجعل ميعاد دخولها يوم القدوم عليه، وضرب مدة الحياة الفانية دونها أجلًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له لا غنى لنا طرفة عين عن فضله ورحمته، ولا مطمع لنا في الجنة إلا بعفوه ومغفرته، وأشهد أن محمدًا عبدالله ورسوله، وخليله ومصطفاه، صلَّى الله وسَلَّم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد، أيها المسلمون:
فتلك عبارات ليست إلا إشارات، وإلا فإن الحقائق أعظم والله تعالى أكرم، فهل من مشمرٍ إلى الجنَّة؟! قولوا: نحن المشمِّرون إنَّ شاء الله، فهي والله الحياة! ألا فبؤسًا لمن آثر الحياة الدنيا عليها، فَبَاع جنَّة الخلد بعيشٍ زائل، إنَّ أضحك قليلا أبكى كثيرًا، وإن سرَّ يومًا أحزن شهورًا، أَوَّلُه مخاوف وآخِرُه مَتَالِف، بؤسًا لقومٍ نعيمٌ في الدنيا كأنَّما خُلقوا لها! وسلكوا في تحصيلها كل طريق من حلال أو حرام كأنَّما خُلِّدوا لها! بؤسًا لقومٍ نسوا الآخرة وأهملوها، وتركوا أوامر الله وأضاعوها، غدًا يُقال لهم: {فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ (14) } [1] ... .
فيا عجبًا ممن آثر الفاني على الباقي! وإنما يظهر الغبن الفاحش يوم القيامة حين تظهر الحسرة والندامة إذا حُشر المتقون إلى الرحمن وفدا، وسيق المجرمون إلى جهنم وردا، ونادى المنادي على رؤوس الأشهاد، ليعلمن أهل الموقف من أولى بالإكرام من بين العباد، فلو رأيت المؤمنين المكرمين، يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (17) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (18)
(1) سورة السجدة