الخطبة الأولى
الحمد لله الذي قدر الأمور وأمضاها وعلم أحوال الخلائق قبل خلقهم وقضاها وجازى كل نفس بعد ذلك على سخطها بما قدر أو رضاها .. كل شيء خلقه - سبحانه - بقدرٍ وقدر، ولا يقع شيءٌ في كونه إلا بعلمٍ منه ونظر، علم الأجل وقدر العمل وجعل الأمور دول، كل ذلك منه في الأزل - سبحانه - كم أحاط علمه وكم وسع حلمه وكم مضى حكمه!
وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له .. له لطائف الحكمة وخفيات القدر، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله وخيرته من كل البشر، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين وصحابته الميامين الغرر والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد .. فاتقوا الله - تعالى - أيها المسلمون، واعلموا أنكم إليه راجعون وعلى أعمالكم مجزيون، ومن عمل كساه الله رداءه .. إن خيرًا فخيرا وإن شرًا فشرا: { ... وَاتَّقُوا اللّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُم مُّلاَقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (223) } [1] ... .
أيها المسلمون: عقيدةٌ تملأ قلب المسلم مضاءً ورضاء، وعلمٌ يورث المؤمن إرادةً وعزمًا وارتقاءً، وإيمانٌ يدفعه للعمل ويحثه على طلب معالي الأمور، وتصورٌ يسل من نفسه الخوف مع عوائق الطريق وبنيانه مسائل من عرفها وأدرك حُكْمها وحِكَمَها سهلت أمامه مصاعب الحياة وتخففت نفسه من أثقال المعاناة فاستلذ الصبر واستحلى المر، وانتظر
(1) سورة البقرة