فهرس الكتاب

الصفحة 589 من 676

ولما دُهِشَ المُسلِمون للكارِثة التي قلَبَت عليهم الأمورُ قال الله لهم: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (165) } [1] .

عباد الله:

إن المُؤمنين مهما أصابَهم في سبيلِ الله فإنهم لا يفقِدون صِلتَهم بربِّهم، وثِقَتَهم بوعدِه الصادقِ لجُندِه بأنهم هم الغالِبون، وأن لن يخذُلَهم؛ بل سوف ينصُرُهم ويُؤيِّدُهم ويُعلِيهم ويُظفِرُهم بأعدائِهم، ويُظهِرُهم عليهم.

ولقد تركَت معركةُ أُحُدٍ آثارًا غائِرةً في نفس النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ أُصيبَ في بدنِه إذ كُسِرَت سِنُّه، وجُرِحَ وجهُه، وشُجَّ رأسُه، فلم تزَل دماؤُه الزكِيَّةُ تسيلُ على وجهه الطاهِر حتى أُحرِقَت قطعةٌ من حصيرٍ فأُلصِقَت به، وأجهدَه العطشُ حتى جعلَ يقعُ على رُكبتَيْه، وأُصيبَ في أتباعِه؛ إذ أودعَ في سفْحِ الجبل سبعين رجلًا من أعزِّ الناس عليه وأقربِهم إلى قلبِه، وهو يقول:"أما واللهِ لوِددتُ أني غُودِرتُ مَعَ أَصْحَابِي بِحِضنِ الجَبَلِ".

وأُصيبَ في أهلِه؛ حين أُخبِرَ بمقتل عمِّه حمزة، فوقفَ عليه وقد بُقِر بطنُه وجُدِعَ أنفُه ومُثِّلَ به، فكرِهَ أن ينظُرَ إليه وقال:"ما وقفتُ قطُّ موقِفًا أغيَ إليَّ من هذا".

بَيْدَ أن التسليمَ لله لم يلبَثْ أن مسحَ الأحزانَ العارِضة، وعادَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يتفقَّدُ أصحابَه، ويُخفِّفُ ما نزلَ بهم، ويسكُبُ من إيمانِه على نفوسِهم ما يملؤها عزاءً ورِضًا عن الله، واستِكانةً لقضائِه.

عن رِفاعة الزُّرقيِّ - رضي الله عنه - قال: لما كان يومُ أُحُد وانكفَأ المُشرِكون، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابِه:"اسْتَوُوا حَتَّى أُثْنِيَ عَلَى رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ"، فصارُوا خلفَه صُفُوفًا، فقال:"للَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ كُلُّهُ، اللَّهُمَّ لَا قَابِضَ لِمَا بَسَطْتَ، وَلَا بَاسِطَ لِمَا قَبَضْتَ، وَلَا هَادِيَ لِمَنْ أَضْلَلْتَ، وَلَا مُضِلَّ لِمَنْ هَدَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُقَرِّبَ لِمَا بَعَّدْتَ، وَلَا مُبَاعِدَ لِمَا قَرَّبْتَ، اللَّهُمُ ابْسُطْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِكَ وَرَحْمَتِكَ وَفَضْلِكَ وَرِزْقِكَ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكُ النَّعِيمَ الْمُقِيمَ الَّذِي لَا يَحُولُ وَلَا يَزُولُ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْأَمْنَ يَوْمَ الْخَوْفِ، اللَّهُمَّ عَائِذٌ مِنْ شَرِّ مَا أَعْطَيْتَنَا، وَشَرِّ مَا مَنَعْتَنَا، اللَّهُمَّ حَبِّبْ"

(1) سورة آل عمران

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت