لما بعد الموت، والعاجز مَنِ اتَّبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني، ومَنْ أصلح سريرته أصلح الله علانيته، ومَنْ أصلح ما بينه وبين الله كفاه الله ما بينه وبين الناس، فاللهَ اللهَ في السرائر، فما ينفع في فسادها جمال الظاهر.
أيها المسلمون:
في زحمة الحياة، ومع تراكم مشاغل الدنيا وتواليها - قد يَغفل الإنسان عن وظيفته الأساس التي من أجلها وُجِد، والغاية التي لها خُلِق ووُلِد؛ ألا وهي عبادة الله - سبحانه - وطاعته: {وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (56) } [1] .
فأرسل الله الرسل، وأنزل الكتب، وخلق الإنسان وسخَّر له ما في السماوات والأرض، كل ذلك لأجل القيام بحق العبودية ومقتضياتها لله سبحانه. ووعد بالجنة مَنْ أطاعه، وتوعَّد بالنار مَنْ عصاه، وأخبر - جلَّ في علاه - أنه سيأتي يومٌ تُعرض الخلائق فيه على الله، وتنشَر الصحف وتوزَن الأعمال؛ فينظر كلٌّ لميزانه بإشفاقٍ ووَجَل، يتمنى كمال عمله وحسن ما قدَّم، علَّ ميزانه أن يثقل بالحسنات، فيأتي يومٌ يكون الحساب والجزاء فيه بالأعمال، وللذرَّة قيمةٌ وميزان، وللحسنة تأثيرٌ، يشحُّ بها المرء على أمه وأبيه، وزوجه وبنيه وأخيه: {وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (23) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (24) } [2] .
فما من أحد إلا سيندم؛ فالمقصِّر يندم على تقصيره، والعامل يندم أن لم يكن قد ازداد!.
في يوم القيامة مواقف وعرصات، وأهوال وكربات، ووزن للحسنات والسيئات، لن ينجو منها إنس ولا جان؛ إلا بالعمل - إذا رحمه الرحيم أرحم الراحمين.
(1) سورة الذاريات
(2) سورة الفجر