إن عالِيَ الهِمَّة يحمِلُ همَّ أمتِ ويجودُ بالنفسِ والنَّفيسِ في سبيل تحصيلِ غايتِها، وتحقيق رِفعَتها، ويعلم أن المكارِمَ منوطةٌ بالمكارِه، وأن المصالِحَ والخيرات واللَّذَّات والكمالات لا تُنالُ إلا بحظٍّ من المشقَّة، ولا يُعبَرُ إليها إلا على جسرٍ من التَّعَب، ومن أراد العلوَّ لأمته لم يلتفِت إلى لومِ لائِمٍ، ولا عذلِ عاذِل، ومضَى يكدَحُ ساعِيًا، {وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19) } [1] .
قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"مَنْ خَافَ أَدْلَجَ، وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ الْمَنْزِلَ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْجَنَّةُ".
كبيرُ الهمَّة لا ينقُضُ عزمَه، {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ (159) } [2] .
إن طريقَ النجاح ليس مفروشًا بالورود والرَّياحين، ويحتاجُ إلى تعبٍ وإلى بذلٍ لإدراكِه، وإذا ذاقَ الإنسانُ طعمَ النجاح هانَت عليه كلُّ لحظةِ تعبٍ أمضاهَا في طريقِه، حتى يكون ذلك التعبُ أشهَى من النفس، وألذَّ من طعم الدَّعَة والسُّكون. وهذه سُنَّةُ الله في الحياة، {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69) } [3] .
وتربيةُ الأمة على ذلك مسؤوليةُ الأولياء والمُربِّين، ووسائلِ الإعلام والمسؤولين، أما التخديرُ وزرعُ الوهْنِ بالمُلهِيات فلا يُنتِجُ إلا أمَّةً داجِنةً، لا تبنِي في الرَّخاءِ، ولا تصمُدُ في البلاء.
إن على أمة الإسلام - وهي تمرُّ بأحلَك ظروفِها، وأخطَر مُنعطفَاتِ تاريخها - أن تعلُو همَّتُها عن اللَّهْوِ والعبَثِ، والفُرقة والخِلاف، والغفلةِ والشُّرود، وأن تُربِّيَ جيلَها على الجِدِّ والطُّموح والهِمَم العالِية، وقد قال الله لنبيِّه: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ (12) } [4] ، وقال لموسى عن الألواح: {فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ (145) } [5] .
(1) سورة الإسراء
(2) سورة آل عمران
(3) سورة العنكبوت
(4) سورة مريم
(5) سورة الأعراف