وعن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنْ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي الْمَلَائِكَةَ فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟"رواه مسلم.
فإذا غرَبَت الشمسُ انصرَفَ الحاجُّ إلى مُزدلِفَة بسَكينةٍ ووَقار، وصلَّى بها المغربَ والعِشاءَ جمعًا، ويقصُرُ العِشاءَ، ويَبيتُ بمُزدلِفَة تلك الليلة ويُصلِّي بها الفجر، ويُكثِرُ من ذِكر الله تعالى ومن الدعاء حتى يُسفِرَ جِدًّا، ثم ينصرِفُ إلى مِنَى قُبَيل طلُوع الشمس، ويجوزُ للضَّعَفَة من النساء والصِّبيان ونحوِهم الانصِرافُ من مُزدلِفَة بعد نِصف الليل، ويتحقَّقُ ذلك بغُروبِ القمر.
فإذا وصلَ الحاجُّ إلى مِنَى رمَى جمرةَ العقَبَة بسبْع حصَيَاتٍ مُتعاقِبَات، يُكبِّرُ مع كل حصَاة، ثم ينحَرُ الهديَ إن كان عليه هديٌ، ثم يحلِقُ رأسَه أو يُقصِّرُه - والحلقُ أفضلُ -، ثم يتوجَّه إلى البيت الحرام إن تيسَّر له يوم العيد، وإلا بعده فيطوفُ طوافَ الإفاضة، ثم يسعَى بين الصَّفَا والمروة، فإن كان قارِنًا أو مُفرِدًا وقد سعَى قبل الحجِّ بعد طوافِ القُدُوم فيكفِيه سعيُه ذلك. ومن قدَّم شيئًا أو أخَّر شيئًا من أعمال يوم النَّحر فلا حرجَ عليه.
ثم يعودُ إلى مِنَى، ويبيتُ بها ليالِي أيام التَّشريقِ، ويرمِي الجِمارَ الثَّلاثَ في كل يومٍ بعد زوالِ الشمس، ثم إن شاءَ تعجَّلَ في يومين، وإن شاءَ تأخَّر لليوم الثالث عشر، والتأخُّر أفضل. ثم لا يبقَى عليه إلا طوافُ الوَداع عندما يُريدُ السَّفَر من مكة.
ولقد كان للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مواطِنُ يُكثِرُ فيها من الدعاء حرِيٌّ بالمُسلم الحِرصُ عليها، منها: يوم عرفة وبالأخصِّ آخر النهار، وبعد صلاة الفَجر بمُزدلِفَة حتى يُسفِر جدًّا، وبعد رمْيِ الجَمرة الأولى، وبعد رمْيِ الجَمرة الثانية من أيام التشريق، وكذا الدعاءُ فوقَ الصَّفَا والمروة.
فاجتهِدوا في تمام حجِّكم، واتَّقُوا الله فيما تأتُون وتذَرُون، وأخلِصُوا لله في عملِكم وقصدِكم، واتَّبِعوا الهُدى والسنَّة، واجتنِبُوا ما يخرِمُ حجَّكم أو يُنقِصُه، وعليكم بالرِّفق والسَّكينَة والطُّمأنينة، والشَّفَقَة والرحمة بإخوانِكم المُسلمين، سيَّما في مواطِن الازدِحام، وأثناء الطوافِ، ورمْي الجِمار، وعند أبواب المسجِد الحرام. واستشعِروا عِظَم العبادة وجَلالَة الموقف.