فقالوا: كيفَ لا نُقاتِلُ وقدْ أُخِذَتْ منّا ديارُنا، وسُبيَ أولادُنا، واغترَبنا منْ أهلينا، فإنَّ كلَّ هذا داعٍ قويٌّ إلى الطاعةِ والقِتال.
ولكنْ لمَّا عُيِّنَ لهمْ مَلِكٌ يقودُهمْ إلى الحرب، وجاءَ وقتُ القِتال، وطُلِبَ منهمُ الخروجُ معه، لم يَفُوا بوعدِهم، إلاّ القليلُ منهم، فقدْ تَخلَّفَ أكثرُهم.
واللهُ عليمٌ بتركِهمُ الجِهادَ ونقضِهمْ عهدَهم، ولسوفَ يُجازيهمْ عليهِ بعُقوبةٍ كبيرة.
{وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المَالِ قَالَ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي العِلْمِ وَالجِسْمِ وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (البقرة:247)
247 -وقالَ لهمْ نبيُّهمْ لمّا طَلبوا منهُ أنْ يعيِّنَ لهمْ مَلِكًا: إنَّ اللهَ قدِ اختارَ لكمْ طالوتَ مَلِكًا.
فقالوا: وكيفَ يَكونُ مَلِكًا عَلينا وهوَ ليسَ منْ بيتِ مُلك، بلْ هوَ مجرَّدُ رجلٍ عاديّ، فنحنُ أحقُّ بذلكَ منه. ثمَّ إنَّهُ لا يَملِكُ مالًا كثيرًا ليقومَ بحقِّ المُلك.
فقالَ لهمْ نبيُّهم: إنَّ اللهَ قدِ اختارَهُ منْ بينِكمْ ليكونَ مَلِكًا عليكم، وقدْ آتاهُ عِلمًا كثيرًا، وقوَّةً في الجسم، وصَبرًا في الحرب. ومَعرفةً بها أكثرَ منكم. واللهُ يُعطي مَنْ يَشاءُ ما يَشاء، فهوَ الحاكمُ لا أنتُم. وهوَ واسعُ الفَضل، يُوَسِّعُ على منْ يَشاءُ منَ الفقراءِ ويُغْنيه، عليمٌ بمنْ يَستَحِقُّ المُلكَ ممَّنْ لا يَستَحِقّ.
{وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آَيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آَلُ مُوسَى وَآَلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ المَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (البقرة:248)
248 -ثمَّ قالَ لهمْ نبيُّهم: إنَّ دليلَ اصطفاءِ طالوتَ مَلِكًا عليكمْ أنْ يأتيَكمُ التابوتُ بسَكينةٍ وهدوءٍ فتَسكنونَ إليه، معَ أشياءَ ممّا ترَكها آلُ موسى وآلُ هارون، ذُكِرَ أنَّها العَصا، وألواحٌ منَ التوراة ... ويَحْمِلُ هذا التابوتَ ملائكةُ اللهِ وتَضعُهُ عندَ طالوت.
وفي ذلكَ آيةٌ عظيمةٌ لكمْ وعِبرة، تدلُّ على مُلكهِ عَليكم، إنْ كنتُمْ مصدِّقينَ بذلك.