وألَمٌ وحَسرَةٌ كبيرَة، وسُبَّةٌ، عندَما يُعيِّرُكمُ المشرِكونَ بقَتلِ المسلِمين، لولا ذلكَ لأَذِنَ لكمْ بفَتحِ مكَّة. ليُدْخِلَ اللهُ بهذا الصُّلحِ مَنْ يَشاءُ في رَحمَتِه، فيُسلِموا، أو يُظهِرَ الضُّعَفاءُ إيمانَهم. ولو تميَّزَ الكافِرونَ مِنَ المؤمِنينَ الذينَ بينَهم، لأمَرناكَ بقِتالِهم، فقتَلتَ منهمْ وأسَرْتَ بجَيشِكَ المؤمِن.
{إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} (الفتح: 26)
26 -إذْ جعلَ الكافِرونَ في قُلوبِهمُ الأنفَةَ والعَصبيَّةَ النَّاشِئةَ مِنَ الجاهليَّةِ المَمقوتَة، تَكبُّرًا وتَعنُّتًا، أثناءَ عَقدِ الصُّلح، فاستَكبَروا عنْ قَولِ"لا إلهَ إلاّ الله"، ورفَضوا كتابَةَ"بسمِ اللهِ الرحمنِ الرَّحيمِ"في أوَّلِ الوَثيقَة، ولم يَقبَلوا كتابةَ"رَسُولِ اللهِ"بعدَ اسمِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وحالُوا بينَهُ وبينَ بيتِ اللهِ الحرَام، خَوفًا مِنْ أنْ يُعيِّرَهمُ العرَبُ ويَقولوا: إنَّهمْ قتَلوا أبناءَكمْ ثمَّ دخَلوا عَليكمْ مكَّةَ واعتمَروا رَغمًا عنكم!
فأنزلَ اللهُ الطُّمأنينةَ والرِّضا على رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمِنينَ الحاضِرينَ معَه، وألزمَهمْ كلمةَ التَّقوَى، وهي"لا إلهَ إلاَّ الله"، فاستَكبَرَ عَنها المشرِكونَ يَومَ الحُديبيَة، وكانَ المُسلِمونَ أحقَّ بها منهمْ في عِلمِ اللهِ تَعالَى، ولذلكَ فازُوا بها، فكانوا أهلَها، واللهُ عَليمٌ بكُلِّ شَيء، فيَعلَمُ مَنْ يَستَحِقُّ الهِدايَة، ومَنْ هوَ أهلٌ للكُفرِ والضَّلال.
{لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا} (الفتح: 27)
27 -لقدْ صدقَ اللهُ رَسُولَهُ فيما أراهُ في مَنامِهِ مِنَ الرُّؤيا الصَّالحَة، مِنْ أنَّكمْ ستَدخُلونَ المسجِدَ الحَرامَ إنْ شَاءَ الله، آمِنينَ مِنَ العَدوِّ عندَ دُخولِكم، منكمْ مَنْ يَحلِقُ رأسَه، ومنكمْ مَنْ يُقَصِّر، لا تَخافُونَ وأنتُمْ مُقيمُونَ في مكَّةَ تُؤدُّونَ مَناسِكَ العُمرَة، فعَلِمَ اللهُ أنَّ مِنَ الخَيرِ والمَصلحَةِ لكمْ أنْ تَنصَرِفوا عنْ مكَّةَ وتَعقِدوا صُلحًا، وهوَ ما لم تَعلَموهُ أنتُم، فجعَلَ مِنْ قَبلِ دُخولِكمُ المَسجِدَ الحرامَ فَتحًا قَريبًا، وهوَ صُلحُ الحُدَيبيَة.
وقدِ اعتمَرَ المسلِمونَ في العامِ التَّالي. وفي ذلكَ سياسَةٌ وصَبر، وفائدَةٌ وأَجر.
{هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} (الفتح: 28)