إلى الخَيراتِ بنبيِّها محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، فإنَّهُ أشرَفُ خَلقِ اللهِ وأكرمُ الرسُلِ على الله، وبَعثَهُ الله بشرعٍ كاملٍ عَظيمٍ لم يُعطهِ نبيًّا قبلَهُ ولا رسُولًا منَ الرسُل.
قلتُ: الذي يظهرُ أنَّ خيريَّةَ هذهِ الأمةِ مُرتبطةٌ بكونِها تأمرُ بالمعروف، وتَنهَى عنِ المُنكَر، وتُؤمِنُ بالله، كما في الآيةِ نفسِها، فإذا لم تَفعلْ ذلكَ لم تَحُزْ هذهِ الفَضيلة. واللهُ أعلم.
{لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ} [آل عمران:111]
111 -لنْ يَستَطيعَ أهلُ الكتابِ - وخاصَّةً اليهودَ - إلحاقَ الضَّررِ بكم، إلاّ ضَررًا عارِضًا يَسيرًا، وإذا حدَثَ بينَكمْ وبينَهمْ قِتالٌ يَنهزمونَ شرَّ هزيمة، ولنْ يَنتصرَ لهمْ أحَد، ولنْ يَجدوا مَعونةً تُنقِذُهمْ مِنْ بأسِكم.
وكانوا كذلك، فقدْ أذلَّ اللهُ اليهودَ ونصرَ المسلمينَ عَليهم، وانهزَمَ النصارَى في بلادِ الشامِ وغيرِها، وسيَكونُ النصرُ للمسلِمينَ ما داموا متمسِّكينَ بشرعِ الله، رافعينَ رايةَ الجهادِ في سبيلِه.
{ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} [آل عمران:112]
112 -لقدْ ألزمَهمُ اللهُ الذلَّةَ والمَهانةَ أينَما كانوا، وصارَ هذا مُلازِمًا لهمْ حتَّى استكنَّ في مشاعرِهم، ولنْ يَجدوا راحةً ولا استِقرارًا إلاّ بذِمَّةٍ منَ الله، وهوَ أنْ يَكونوا ذِمِّيينَ في الدولةِ الإسلامية، يُلزَمونَ بدفعِ الجِزيَة، أو بعهدٍ منَ الناس، كأمانٍ منهمْ لهم، أو مُعاهداتٍ بينهمْ وبينَ دُوَلٍ كبرَى يَتقوَّونَ بهم.
لقدْ تَلبَّسوا بغَضَبِ اللهِ وأُلزِمُوا به، فلا يُغادرُهمْ ولا يَنفكُّ عنهم. وسببُ هذا الذلِّ المكتوبِ عليهمْ والغَضَبِ الذي يُلازمُهم، هوَ أنَّهمْ كانوا يَرفُضونَ اتِّباعَ الحقِّ مهما كانَ واضِحًا وقويًّا، ويَكفرونَ بالحُجَجِ والمُعجِزاتِ وهمْ يَرونَها عِيانًا، وزَادوا على ذلكَ جَريمةً