وقدْ نزلتِ الآيةُ في رِجالٍ منَ المسلمينَ كانوا يواصِلونَ رِجالًا منَ اليهود، لِما كانَ بينهمْ منَ الجِوارِ والحِلْفِ في الجاهليَّة، فنُهوا عنْ مباطنَتِهمْ خوفَ الفِتنةِ عليهمْ منهم.
{هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [آل عمران:119]
119 -وها أنتمْ تُحِبُّونَ المنافِقينَ لأنَّهمْ يُظْهِرونَ لكمُ الإيمان، وهمْ لا يُحبُّونَكمْ أبدًا، بلْ يَتربَّصونَ بكمُ الشرّ، ويَنقُلونَ أخبارَكمْ إلى أعدائكمْ ويُوادُّونَهم، وتؤمِنونَ بكتابِ اللهِ كلِّه، وهمْ في شكٍّ منهُ ورِيبَة، ويُصَلُّون أمامَكمْ أحيانًا، لكنَّهمْ إذا اجتَمعَوا أظهَروا غَيظَهمْ وعَداوتَهمْ وكُرهَهمْ لكم.
قولُوا لهم: اكرَهوا المؤمنينَ بما تَقدِرونَ عليه، ومُوتوا بغيظِكمْ لهم، فإنَّ اللهَ مُتِمُّ دينهِ وناصرُ عِبادهِ المؤمنين، وخاذِلُ أعدائهمُ الكفّارِ والمنافقين، وهوَ عليمٌ بما تُخفيهِ صدورُكمْ مِنْ حقدٍ وغِلٍّ على المسلِمين، ولسَوفَ يُجازيكمْ في الآخِرَةِ بالعَذابِ الشَّديد.
{إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [آل عمران:120]
120 -وممّا يَبدو مِنْ عَداوةِ المنافِقينَ لكم، أنَّ اللهَ إذا مَنَّ عليكمْ برِزقٍ أو نَصرٍ أو فَتح، أصابَهُمُ الهَمُّ والغَمّ، وإذا أصابَكمْ مَكروهٌ كقَحْطٍ أو هَزيمة، فَرِحُوا واستَبشَروا، فلا يُحزِننَّكمْ هذا، واتَّقوا شرَّهمْ بالتحلِّي بالصَّبر، والدوامِ على طاعةِ الله، وحُسْنِ التوكُّلِ عليه، ولنْ يَضُرَّكمْ شيءٌ مِنْ كيدِهمْ إذا كنتُمْ كذلك، فاللهُ مُحيطٌ بهم، عليمٌ بما يَصنَعون، ولنْ يَقَعَ شيءٌ في الوجودِ إلا بتقديرِهِ ومَشيئتِه.
{وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [آل عمران:121]