الصفحة 182 من 1545

{مَا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغَيْبِ وَلَكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآَمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [آل عمران:179]

179 -ما كانَ اللهُ لِيَدعَ المؤمِنينَ هكذا بدونِ تَمحيصٍ وابتِلاءٍ وقدِ التبسَ بهمُ المنافِقون، فكانَ لا بدَّ منَ المِحنةِ حتَّى يَظهرَ الوليُّ منَ العَدوّ، ويَبِيْنَ المؤمِنُ الصَّابرُ منَ المنافقِ الفاجِر، وذلك يَومَ أُحُد، وكانَ كذلك، حيثُ تَبيَّنَ المخلِصونَ المجاهِدونَ الذينَ ثَبتُوا معَ رسولِ الله، وظَهرتْ مخالفةُ المنافِقينَ وخيانتُهمْ للهِ ورسولِه.

وأنتمْ لا اطِّلاعَ لكمْ على الغَيب، ولا ما تَكُنُّهُ قُلوبُ المنافِقينَ منْ كفرٍ ونِفاق، ولولا هذهِ الأسبابُ التي أجرَاها اللهُ لكم، لَما عرفتُمْ خبرَهمْ وشِدَّةَ عَداوتِهمْ لكم. ويَختارُ اللهُ مِنْ رُسُلهِ منْ يَشاء، كمحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، ليَتبيَّنَ مَنْ يَتَّبعُهُ ومَنْ لا يَتَّبعُه، ومَنْ يُعاديهِ مِنْ غيرِه، فيَتميَّزُ الخَبيثُ مِنَ الطيِّب، ويُخبرُهُ اللهُ بما صَدرَ عنِ المنافِقينَ مِنْ أقوالٍ وأفعَال، فيَفضَحُهم، ويخلِّصُكمْ مِنْ شرِّهمْ وإيذائهم.

فأطِيعوا اللهَ واتَّبِعوا ما يأمرُكمْ بهِ رسولُهُ ممّا شَرعَ لكم، وإنْ تُؤمنوا باللهِ حقَّ الإيمان، وتَتَّقوهُ بمراعاةِ حُقوقِه، فلكمْ ثوابٌ عَظيمٌ لا تَعرِفونَ قَدْرَه.

{وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَللهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [آل عمران:180]

180 -ولا يَظُنَّنَّ الذينَ يَبخَلُونَ بأموالِهمْ فيَكنِزونَها ولا يُنفِقونَها في حقِّها أنَّ ذلكَ أفضَلُ لهمْ وأحسَن، بلْ هوَ شرٌّ لهم، وسوءُ عاقبةٍ يَنتظرُهم، فإنَّ تلكَ الأموالَ ستَتحوَّلُ إلى نيرانٍ فَظيعةٍ تُحيطُ بهمْ وتُطَوِّقُهم؛ جَزاءَ إمساكِهمْ ما تفضَّلَ اللهُ بهِ عليهمْ مِنْ مال، وسيَعلمونَ عندئذٍ أنَّ حِفْظَهُمْ لتلكَ الأموالِ كانَ حفظًا لنارٍ تَنتَظرُهم.

وليسَ اللهُ بحاجةٍ إلى أموالِهم، فهُمْ وأموالَهم وما في السَّماواتِ والأرضِ مُلْكٌ لله، ويَرِثُ اللهُ السَّماواتِ والأرضَ بعدَ فَناءِ مَخلوقاتِهما. فكلُّ شَيءٍ مَرجِعهُ إليه، ومَنْ أنفقَ فإنَّما يُقَدِّمُ لنفسِهِ خَيرًا، واللهُ خَبيرٌ بنيّاتِكمْ في المنعِ والبُخل، ويُجازيكمْ على ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت