وجِهادِ النَّفس، فأقِيموا الصَّلاةَ بِخُشوع، وأعطُوا الزكاةَ لتواسُوا بها الفُقَراءَ والمسَاكينَ، لكنَّهمْ كانوا يَطلبونَ منكَ أنْ تأذنَ لهمْ بقِتالِ المشرِكين؛ لِما يَلقَونَ منهمْ منَ الأذَى.
ولما قَوُوا وفُرِضَ عليهمُ الجِهاد، وطُلِبَ منهمْ مُقاتَلةُ الكفّار، إذا فريقٌ منهمْ يَخشَونَهمْ كما يَخشَونَ منَ اللهِ أنْ يُنْزِلَ بهمْ بأسه، أو أكثَر، وذلكَ لِما أصابَهمْ مِنْ خَوفٍ وجَزَع -والمسلمونَ مُتفاوِتونَ في قوَّةِ الإيمان، وفي لقاءِ الأعداء- وقالَ أولئكَ الخائفون: ربَّنا لمَ فَرضتَ علينا القِتالَ الآن، فلَو أخَّرتَ فَرْضَهُ إلى وقتٍ آخَرَ لكانَ أفضَل، ففيهِ سَفكٌ للدِّماء، ويُتْمٌ للأبناء، وتأيُّمٌ للنِّساء ...
قُلْ لهمْ أيُّها النبيّ: إنَّ جميعَ ما يُستَمتَعُ بهِ في الدُّنيا هوَ قليلٌ جدًّا بالنسبةِ إلى الثَّوابِ المتَرتِّبِ على الأعمالِ الطيِّبةِ في الآخِرة، ومنها الجِهادُ في سبَيلِ الله، فالآخِرةُ لمنْ جاهدَ واتَّقَى خيرٌ منَ الدُّنيا ومَتاعِها القَليل.
ولنْ تُظلَموا فيما تُؤدُّونَهُ مِنْ أعمال، وكلَّما كثُرَتْ وعَظُمَتْ زادَ ذلكَ مِنَ الأجرِ والثَّواب، فلا تَرغَبُوا عنِ القِتال، ودَعُوا الدُّنيا وغُرورَها، وأقبِلوا على ما يُهَنِّئكمْ في الآخِرَة، فهيَ خيرٌ لكم.
{أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ المَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ القَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} [النساء:78]
78 -أينما وُجِدتُمْ فإنَّ مصيرَكمْ إلى الموت، فلا بدَّ لكمْ منه، ولو كنتُمْ في قُصورٍ عاليَةٍ رفيعة، ومَنيعةٍ حَصينة، فلا يُغني حَذَرٌ وتَحَصُّنٌ عنِ الموت، إنْ جاهدتُمْ أو لم تُجاهدوا، فإنَّ الأجلَ مَحتوم، وكلُّ نَفسٍ ذائقةُ الموت.
وإذا بُسِطَ لهمُ الرِّزقُ وجاءَتهمُ الثِّمارُ والزُّروع، والنَّعيمُ والرَّخاء، قالوا: هذا مِنْ عندِ الله، وإذا أُصِيبوا ببَليَّة، مِنْ جَدْبٍ وغَلاءٍ، ونَقصٍ في الثِّمار، أو مَوتِ أولادٍ أو غَيرِ ذلك، قالوا للرسُولِ صلى الله عليه وسلم: هذا جاءَنا مِنْ قِبَلك، لأنَّنا اتَّبعناكَ واقتدَينا بدينِك! وكما قال سبحانَهُ في مثلِ ذلك: فَإِذَا جَاءتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى