الصفحة 273 من 1545

31 -وبقيَتْ جُثَّتهُ على الأرضِ لا يَدري قابيلُ ما يَفعلُ بها، فبعثَ اللهُ غُرابًا يَحفِرُ الأرضَ أمامَهُ بمِنقارهِ وبرِجْلهِ، ووارَى في الحُفرةِ غُرابًا مَيتًا -ومازالَ هوَ شأنَ الغرابِ- ليُعلِّمَهُ اللهُ بذلكَ كيفَ يَدْفِنُ أخاه. فقالَ قابيل: يا هلاكي ويا مَوتي، أعجِزْتُ أنْ أكونَ مثلَ هذا الغُرابِ فلا أهتَدي إلى ما اهتدَى هوَ إليه، فأُخفيَ جَسَدَ أخي تحتَ الأرضِ وأواريَهِ بالتُّراب؟ فواراه، وصارَ نادِمًا مُتَحَسِّرًا على قتلِه.

{مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ} [المائدة: 32]

32 -وبسبَبِ مفَاسدِ هذهِ الجِنايةِ، مِنْ قتلِ ابنِ آدمَ أخاهُ ظُلمًا وعُدوانًا، قَضَينا على بَني إسرائيلَ في التَّوراة، أنَّ مَنْ قتلَ نَفسًا بغَيرِ قِصاص، أو بغيرِ فَساد، فاستحلَّ قتلَها بغَيرِ سبَبٍ ولا جِنابة، ككفرٍ، أو زِنًا، أو نَحوِ ذلك،، فكأنَّما قتلَ الناسَ كلَّهم، وعليهِ وِزْرُها!

وكانَ الحسدُ مَنشأَ هذهِ الجِناية، وهوَ غالِبٌ على بَني إسرائيلِ. ومعَ ما نزلَ عليهمْ مِنْ تَعظيمِ القَتل، فقدْ كانوا أشدَّ طُغيانًا فيه، فقدْ أقدَموا على قتلِ الأنبياءِ والرسُل، ممّا يَدُلُّ على غايةِ قَساوةِ قلوبِهم، ونهايةِ بُعدِهمْ عنْ طاعةِ اللهِ تعالى، وبسبَبِ ذلكَ شُدِّدَ عليهمْ وعُظِّمَ مِنْ أمرِ القَتلِ عندَهم.

ومَنْ تورَّعَ عنْ قتلِ النَّفس، أو تسبَّبَ في إبقائها واستنقاذِها مِنْ أسبابِ الهَلاك، فكأنَّما حازَ ثوابَ سلامةِ النَّاسِ كلِّهم!

ولقدْ جاءَتْهُمْ رسلُنا بالحُجَجِ الواضِحَة، والبراهينِ الناطِقَة، تأكيدًا لوجوبِ ما فرَضنا عليهم، ومعَ كلِّ ذلكَ فقدْ كانَ الكثيرُ منهمْ مُسرِفًا في القَتلِ، غيرَ مُبالٍ به، معَ ارتِكابِهمْ محرَّماتٍ أُخرَى، وإفسادِهمْ في الأرض.

{إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة: 33]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت