وكانَ الرسولُ صلى الله عليه وسلم مخيَّرًا في أوَّلِ أمرِه، ثمَّ أُمِر بإجراءِ الأحكامِ عليهم، في قولهِ تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ ... } [المائدة:49] ، فلزِمَهُ الحُكمُ وزالَ التَّخيير. فالآيةُ بذلكَ تكونُ منسوخة.
وذهبَ الإمامُ أحمدُ إلى أنَّها غَيرُ مَنسوخَة، فالحاكِمُ بالخِيارِ إذا ارتفعَ إليهِ أهلُ الذمَّة.
وإذا حكمتَ بينهمْ فليَكنْ حُكمُكَ بالحقِّ والعَدلِ الذي أُمِرْتَ به، وهوَ ما تَضمَّنَتْهُ شريعةُ الإسلام، وإنْ كانوا همْ ظَلَمَةً أعداء، مُفتَرينَ غيرَ عادِلين. واللهُ يُحِبُّ العادلينَ في أحكامِهم، ويَرفعُ شأنَهم.
{وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} [المائدة: 43]
43 -وكيفَ يَطلبونَ منكَ حُكمًا وهمْ لا يؤمنونَ بنبوَّتِكَ وصدقِ رسالتِكَ ولا يَلزَمُهمْ قَبولُه، والحالُ أنَّ الحُكمَ الذي يَبحثونَ عنهُ موجودٌ في التوراةِ كما أمرَ بهِ الله، وهمْ يَقولونَ إنَّهم مُتمسِّكونَ بها، ومعَ ذلكَ يَعدِلونَ إلى غَيرِها؟ فليسوا بذلكَ منَ المؤمِنينَ بكتابِهم؛ لإعراضِهمْ عنه.
{إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44]
44 -إنّا أنزلنا التوراةَ فيها هِدايةٌ للنَّاس، ونورٌ يُبيِّنُ الحقّ، ويوضِّحُ للناسِ ما يحتاجونَ إليهِ منْ أحكامٍ ومُعامَلاتٍ وسُلوك، يَحكمُ بها الأنبياءُ مِنْ لَدُنْ موسَى حتَّى عيسَى عليهمُ الصلاةُ والسلام -وهمْ كُثر-، الذينَ أسلموا وجوهَهمْ لله، وسَلكوا طريقَ الهِدايةِ والصَّلاحِ كما طَلبَ منهمْ ربُّهم، وحكَموا بالتوراةِ لأجلِ اليهودِ وفيما بينَهم. وما كانوا يَخرجونَ عنْ حُكمها، ولا يُبَدِّلونَها ولا يُحَرِّفونَها، وكذلك العُبّادُ والعلماءُ منهمْ بما وُجِّهوا منْ قِبَلِ