الصفحة 279 من 1545

الأنبياء، ليُظهِروها ويَعملوا بها ويَحفَظوها منَ التَّغييرِ والتَّبديل، ولا يُخِلُّوا بأحكامِها، وكانوا حُفّاظًا رُقباءَ عليها. ثمَّ حَرَّفتِ اليهودُ الكثيرَ منها.

فلا تَخافوا الناس، وخافونِ، فإنَّ النفعَ والضُّرَّ بيَدي. ولا تَستبدِلوا بآياتي حُظوظًا دُنيويَّةً تافِهةً عنْ طريقِ الرشوةِ والجاهِ وما إليه، ومَنْ لم يَحكمْ بما أنزلَ اللهُ مِنَ الأحكامِ فإنَّهمْ منَ الكافِرين.

قالَ ابنُ عباسٍ رضيَ الله عنهما: مَنْ جَحدَ ما أنزلَ اللهُ فقدْ كفَر، ومَنْ أقرَّ بهِ ولم يَحكمْ فهوَ ظالِمٌ فاسِق.

وصحَّحَ الحاكمُ قولَ ابنِ عبّاسٍ في الآية: إنَّهُ ليسَ بالكُفرِ الذي يَذهبونَ إليه، إنهُ ليسَ كُفرًا يَنقلُ مِنَ الملَّة، كُفرٌ دونَ كُفر.

قلت: هوَ توضيحٌ لجانبٍ مِنْ قولهِ السَّابق: مَنْ أقرَّ بهِ ولم يَحكمْ فهو ظالمٌ فاسق.

وبعدَ أنْ ذكرَ ابنُ جَريرٍ الطبريُّ أنَّ الآيةَ نَزلتْ في أهلِ الكتابِ خاصَّة، قال: وكذلكَ القولُ في كلِّ مَنْ لم يَحكمْ بما أنزلَ اللهُ جاحِدًا به، هوَ باللهِ كافر، كما قالَ ابنُ عباس؛ لأنَّهُ بجحودهِ حُكْمَ اللهِ بعدَ علمهِ أنَّهُ أنزلَهُ في كتابِه، نظيرُ جُحودهِ نبوَّةَ نبيِّهِ بعدَ علمهِ أنَّهُ نَبيّ.

قلتُ: ومثلهُ مَنْ استَهزأ بشَريعَةِ الإسلامِ وأحكامِها، أو زعمَ أنَّها لا تَصْلُحُ للحُكم.

{وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة: 45]

وفرَضنا على بَني إسرائيلَ في التَّوراةِ أنَّ النفسَ المقتولةَ بغيرِ حقٍّ يُقتَصُّ لها بقَتلِ قاتلِها، والعَينُ تُفْقأ بالعَين، والأنفُ تُجْدَعُ بالأنف، والأذُنُ تُقْطَعُ بالأذُن، والسنُّ تُقلَعُ بالسنّ، وسائرُ الجروحِ يُقاسُ عليها في القِصاص، فيما يمكنُ القِصاصُ منه، كاليد، والرِّجْل، واللِّسان. وما لا يُمكِنُ القِصاصُ منه، ككَسرِ عَظم، أو جَرحِ لحم، ونحوِه، فلا قِصاصَ فيه، بلْ فيهِ حُكومةُ عَدل، فيُحْكَمُ لهُ بما يَستَحِقُّهُ مِنْ مال، وهوَ ما يُسَمَّى بالأَرْش، ويَعني دِيَةَ الجِراحة. وقدْ قدَّرَ أئمَّةُ الفقهِ أرشَ كلِّ جراحةٍ بمقاديرَ معلومة، تُنظَرُ في مَظانِّها.

فمَنْ عفا عنْ صاحبهِ ولم يَقتصَّ منه، فهو كفّارةٌ لذَنْبهِ بما شاءَ الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت