{وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 63]
63 -واللهُ هوَ الذي ألَّفَ بينَ قُلوبِ المسلِمين، على ما كانَ بينهمْ في الجاهليَّةِ مِنْ عداوةٍ وضَغينة قاتِلة، ومِنْ حَميَّةٍ وعَصَبيَّةٍ عَمياء، وخاصَّةً الأوسَ والخزرجَ منَ الأنصار، الذينَ كادتِ الحربُ أنْ تُهلِكهم، فكانتِ الحروبُ بينهمْ لا تَنقَطِع، فجَمعهمُ الإسلامُ وصاروا إخوَةً يَتناصَرونَ في الحقّ، ويَتناصَحونَ على الخَير، ولو أنَّكَ أنفقتَ ما في الأرضِ منْ أموالٍ لتوثِّقَ بَينهمُ المحبَّة، وتؤلِّفَ بينَ قُلوبهم، لمَا استَطَعت، لتَناهي العَداوةِ بينَهم، وتَمَكُّنِ رُوحِ الانتِقامِ فيهم، ولكنَّ اللهَ بلُطفهِ ورَحمَتهِ أوجدَ هذا التآلفَ بينَهم، ووطَّدَ روحَ المحبَّةِ والتآخي بينَهم، وهوَ سُبحانَهُ قَديرٌ على ذلك، عَزيزٌ لا يَصعُبُ عليهِ شَيء، حَكيمٌ، يدبِّرُ الأمورَ على أحسنِ وجه، وأفضَلِ مَقام.
{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 64]
64 -أيُّها النبيُّ الكريم، حسبُكَ الله، فهوَ كافيكَ في جميعِ أمورِكَ وناصرُك، ومَنِ اتَّبعكَ مِنَ المؤمِنينَ، المهاجِرينَ والأنصار.
{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ} [الأنفال: 65]
65 -أيُّها النبيُّ، حُثَّ المؤمِنينَ على القِتالِ ورغِّبهمْ في الجِهاد، إنْ يَكنْ منكمْ عِشرونَ مُقاتِلًا ثابتًا مُحتَسِبًا، يَغْلِبوا مِئَتَينِ مِنْ عدوِّهم، وإنْ يَكنْ منكمْ مائةٌ منَ الرِّجالِ الصَّابرينَ في الحَرب، يَغْلِبوا ألفًا مِنَ الكافِرين، وهذا لأنَّ المشرِكينَ جَهَلةٌ لا يُقاتِلونَ احتِسابًا وامتِثالًا لأمرِ الله، ولا طَلبًا لثَواب، وإنما يُقاتِلونَ للحَميَّةِ الجاهليَّة، واتِّباعًا لخُطواتِ الشَّيطان، فلا يَثْبُتونَ في الحربِ إذا صَدقتُموهمُ القِتال؛ خَشيةَ أن يُقْتَلوا.
وقدْ شقَّ ذلكَ على المسلِمين، حيث طُلِبَ منهمْ أنْ يَثْبُتَ الواحِدُ منهمْ مُقابِلَ عَشَرةٍ مِنَ الكفّار، فنَزَلتِ الآيةُ التاليةُ تخفيفًا عنهم، وهو ثباتُ الواحِدِ أمامَ اثنَين. قالَ ابنُ عبّاسٍ رضيَ اللهُ عنهما: فلمّا خفَّفَ اللهُ تعالَى عنهمْ مِنَ العِدَّة، نَقَصَ منَ الصَّبرِ بقَدْرِ ما خفَّفَ عنهم.
والجمهورُ على أنَّ التاليةَ ناسخةٌ لهذه.