فهرس الكتاب
قالَ يوسُفُ عليهِ السَّلام: أعوذُ باللهِ وأعتَصِمُ بهِ ممّا تُريدينَ منِّي، إنَّ زَوجَكِ سيِّدي العَزيزَ أحسَنَ مَنزِلي وأكرَمَني، فكيفَ أُسِيئُ إليهِ وأخونُهُ في زَوجَتِه؟! إنَّ الذينَ يُجازُونَ الحسَنَ بالسيِّءِ لا يُفلِحون، ولا يَفوزونَ ولا يَسعَدونَ في الدُّنيا وفي الآخِرَة.
{وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} (يوسف: 24)
24 -وقَدْ قَصَدَتْ مُخالطَتَهُ وعَزمَتْ على ذلكَ عَزْمًا جازِمًا. ومالَ هوَ إلَيها في لَحظَةٍ منَ اللَّحَظات، بمُقتَضَى الطبيعَةِ البشَريَّة، لكنَّ ذلكَ لم يَتجاوَزْ خاطِرًا قَلبيًّا عِندَه، فلمّا تمَثَّلَ أمامَهُ بُرهانٌ منْ عندِ اللهِ وآيَةٌ في تَثبيتِه، تُذَكِّرُهُ بالرَّدْعِ منَ الفَاحِشة، وتُقَوِّي عَزيمَتَهُ بالصَّبرِ والتَّقوَى، أضاءَ ذلكَ نورَ الإيمانِ في قَلبِهِ منْ جَديدٍ بقُوَّة، فتَذَكَّرَ وأناب، واستَعاذَ باللهِ واعتصَمَ به، ولمْ يَهُمَّ بشَيء، وصُرِفَ عَنهُ حتَّى ذلكَ الخاطِرُ القَلبيّ.
وكما أرَيناهُ بُرهانًا فصَرَفناهُ عمّا كانَ فيه، كذلكَ نَصرِفُ عنهُ الخِيانةَ والزِّنا، إنَّهُ مِنْ عِبادِنا المُصطَفَينَ الأخيَار، الذينَ اختَرناهُمْ لطاعَتِنا، وأكرَمناهُمْ بالنبوَّة، وعَصمناهُمْ ممّا يَقدَحُ في سُلوكِهمْ وسِيرَتِهم.
{وَاسُتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوَءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (يوسف: 25)
25 -وقامَ يوسُفُ هارِبًا إلى بابِ البيتِ ليَتخلَّصَ منها، وتَبِعَتْهُ هيَ لتَمنعَهُ مِنَ الخُروجِ ويَرجِع، فأمسكَتْ بقَميصِهِ مِنْ خَلفِه، فجَذَبَتْهُ إليها، فقَطَعَتْه، واستمرَّ يوسُفُ هارِبًا، وهي تَتْبَعُهُ لتُعيدَه، فلمّا خرَجا لَقِيا زوجَها العزيزَ عندَ الباب، فهابَتْهُ، وقالتْ في مَكرٍ ودَهاء: ما جَزاءُ مَنْ أرادَ أنْ يَزنيَ بزَوجَتِك؟
وخافَتْ أنْ يَقتُلَهُ، وهيَ تُحِبُّه، فقالت: إلاّ أنْ يَكونَ هذا العِقابُ سِجنًا، أو ضَربًا شَديدًا مُوجِعًا.