فهرس الكتاب
وفي ذلكَ آياتٌ وأدِلَّةٌ واضِحةٌ على قُدرَةِ الخَالقِ وبَديعِ صُنعِه. هذا لمَنِ استَعمَلَ عَقلَهُ وتفَكَّر، وابتعدَ بنفسِهِ عنِ التَّقليدِ والهوَى.
{وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدونَ} (الرعد: 5)
5 -وإذا عَجِبتَ مِنْ شَيءٍ أيُّها النبيّ، فتعَجَّبْ مِنْ قَولِ الكافِرينَ الذينَ يَقولون: إذا صِرنا عِظامًا وتُرابًا بعدَ المَوت، سيُعادُ خَلقُنا منْ جَديد؟
إنَّهمْ يُنكِرونَ بَعثَ الخَلْقِ على الرَّغمِ مِنْ إيمانِهمْ بابتِدائه، وكأنَّهمْ لا يَتفكَّرونَ بما حَولَهمْ منَ الثِّمارِ والزُّروع، التي تَموت، ثمَّ تَحيا مِنْ جَديد، بقُدرَةِ الله، وهذا ما يَتكرَّرُ كُلَّ عامٍ مرَّةً أو مَرَّتين، وهمْ يُؤمِنونَ بأنَّ السَّماواتِ العَظيمَة، والأرضَ التي تَحمِلُهم، منْ خَلقِ الله، وفيها منَ الأحْياءِ والجَماداتِ والنَّباتاتِ ما يُبهِرُ العُقول، ويُوقِظُ القُلوب ... أليسَ منَ العجَبِ ألاّ يَستَحوِذَ هذا كُلُّهُ على فِكرِهم، ويوقِظَ قُلوبَهم، ويُنبِّهَ عُقولَهم، فيتفَكَّروا في قُدرَةِ الخَالقِ العَظيمِ وتَدبيرِه، وأنّهُ قادِرٌ على الإحْياءِ والإمَاتة، كما يَبدو في مَظاهرِ الكَونِ وحرَكاتِ مَخلوقاتِهِ وتَفاعُلاتِه؟ ولكنَّهمْ كفَروا برَبِّهمْ عِندما لم يؤمِنوا بقُدرتِهِ على البَعث، وإنَّ إنكارَ قُدرتِهِ في هذا إنكارٌ لهُ سُبحانَه، ووَصفٌ لهُ بالعَجز، وتَكذيبٌ لهُ ولرسُلِه.
وهؤلاءِ جزاؤهمْ على كُفرِهمْ وتَكذيبِهمْ أنْ تُغَلَّ أعناقُهمْ وتُسحَبَ في النَّارِ يَومَ القِيامة، كما غَلُّوا عُقولَهمْ وأغلَقوا قُلوبَهمْ عنِ التَّفكيرِ والتدَبُّرِ في الدُّنيا، ويَكونُ مَصيرَهمُ الخُلودُ في النَّار، مؤبَّدينَ فيها، لا يتَحوَّلونَ عنها ولا يَموتونَ فيها.
{وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلاَتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ} (الرعد: 6)
6 -وهؤلاءِ الكافِرونَ المُكذِّبونَ يَستَعجِلونكَ لتأتيَهمْ بالعُقوبةِ قبلَ أنْ يَسألوا الهِدايةَ والرَّحمَة، والعَافيةَ والسَّلامة، وقدْ سبقَتْ مِنْ قبلِهمُ العُقوباتُ للأُممِ الغابِرةِ التي