{وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا} (الكهف: 82)
82 -وأمَّا الجِدارُ الذي أصلَحتُه، فكانَ لغُلامَينِ يَتيمَينِ صَغيرَينِ في المَدينَة- وهيَ القَريَةُ المَذكورَة- وتَحتَهُ مالٌ مَدفونٌ مِنْ ذَهَبٍ وفِضَّةٍ يَخصُّهما، وكانَ أبوهُما صالِحًا تَقيًّا، ولو تُرِكَ الجِدارُ يَنقَضُّ لظهرَ الكَنزُ مِنْ تحتِه، ولَما استطاعَ الصَّغيرانِ أنْ يَدفعا عَنهُ مَكروهًا، فأرادَ رَبُّكَ أنْ يَكبَرا ويُدرِكا قوَّتَهما، ليَستَخرِجا حينَذاكَ كَنزَهما وهُما قادِرانِ على حِمايَتِه.
وهذا الذي فعَلتُهُ كانَ رَحمَةً منَ اللهِ بأصحابِ السَّفينَة، ووالِدَي الغُلام، وولدَي الرَّجُلِ الصَّالِح. وما فعَلتُ ذلكَ باختياري ورأيي، لكنِّي أُمِرتُ به، وفعَلتُهُ بأمرِ الله -وهذا دَليلٌ على نبوَّتِه-. وما فَعَلْتُهُ وأوقَفتُكَ على بيانِهِ ونَتيجَتِه، هوَ ما لم تَقدِرْ على الصَّبرِ عَليه.
وليسَ هُناكَ أيُّ دَليلٍ شَرعيٍّ ثابتٍ على أنَّ الخَضِرَ مازالَ حَيًّا، وما يَرِدُ في مثلِ هذا أقاويلُ وحِكاياتٌ لا تَنهَضُ حُجَّةً على ذلك.
{وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا} (الكهف: 83)
83 -ويَسألُكَ بعضُهمْ أيُّها النبيُّ عنْ شَأنِ ذي القَرنَين، فقُلْ لهم: سأذكرُ لكمْ مِنْ أنبائهِ وقَصَصِهِ قُرآنًا.
وهوَ قائدٌ فاتِحٌ مؤمِن، وحاكِمٌ صالِحٌ عادِل، ولم يَكنْ نبيًّا ولا مَلَكًا، وليسَ واحِدًا ممَّنِ انتصَرَ لهُ بَعضٌ المؤرِّخينَ والمُفَسِّرين، كالإسكندَرِ المَقدوني، والصَّعبِ الحِمْيَرِي، وكُورشِ الأخميني. وذكرَ كثيرٌ منهمْ أنَّهُ الأوَّل، وهوَ خَطأٌ ووَهم، فالمَقدونيُّ كانَ منْ أنصارِ فلسَفَةِ أرسطو، ولا يُسَمَّى ذا القَرنَينِ أصلًا، كما أنَّ القائدَ المؤمِنَ لا يُسَمَّى الإسكندَر، ولعلَّ الذي جمَعَ بينَهما هوَ ما وردَ منْ معاركِ المَقدونيِّ وانتِصاراتِه. وقدْ