لكن هيهاتَ... هيهات، قد فات الأوان وليس مِن كَرةٍ ولا رجعةٍ إلى الدنيا، فإن كنتَ يا عبد الله ترومُ النّجاة وترجو رحمة ربّك التي كتبها للذين يتقون فاجتنب الطواغيت كلَّها، واتقِ شركهم الآن الآن... فإنه لا يجتنبهم يوم القيامة وينجو من مصيرهم في الآخرة إلا مَن فارقهم واجتنبهم في الدنيا... أما من رضي بدينهم الباطل وتابعهم عليه فإنَّ مناديًا في عرصات القيامة يُنادي: (من كان يعبدُ شيئًا فليتبعه، فيتبعُ من كان يعبدُ الشمس الشمس، ويتبعُ من كان يعبدُ القمر القمر، ويتبعُ من كان يعبدُ الطواغيت الطواغيت..) إلى قوله في الحديث عن المؤمنين حين يقال لهم: (ما يحبسكم وقد ذهب النّاس؟ فيقولون: فارقناهم ونحن أحوج منا إليه اليوم، وإنا سمعنا مناديًا ينادي،ليلحق كلُّ قومٍ بما كانوا يعبدون وإنما ننتظر ربَّنا) (1) .
فتأمل قولَ المؤمنين: (فارقناهم ونحن أحوجُ منا إليه) أي: فارقناهم في الدنيا... ونحن نحتاج إلى درهمهم ودينارهم وأمور دنياهم... فكيف لا نفارقهم في هذا المقام العظيم... ففي هذا بعض معالم الطريق... ومنه قول الله تعالى: {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون} (2) . أزواجهم أي: أمثالهم وقرناءهم وأشياعهم وأنصارهم على باطلهم... ثم يقول الله تعالى بعد ذلك: {فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون إنا كذلك نفعل بالمجرمين إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون} (3) .
فإياك يا عبد الله أن تُعرض عن كلمة التوحيد وتُفرّط في إثبات ما أثبتته ونفيِ ما نفته وتستكبر عن اتباع الحق وتصر على نُصرة الطاغوت فتكون مع الهالكين... وتُشاركهم في مصيرهم...
(1) 20) متفق عليه؛ جزءٌ من حديث رؤية المؤمنين لربّهم يوم القيامة .
(2) 21) سورة الصافات، الآية 22 .
(3) 22) سورة الصافات، الآيات 33-35 .