فصل
في بيان أصل الأصول والغاية من الخلق وإنزال الكتب ودعوة المرسلين
وملة ابراهيم والعروة الوثقى التي عليها مدار النجاة
اعلم رحمك الله تعالى أنَّ رأس الأمر وأصله وعموده، وأول ما افترض الله على ابن آدم تعلمه والعمل به، قبل الصلاة والزكاة وسائر العبادات، هو الكفر بالطاغوت واجتنابه، وتجريد التوحيد لله تعالى. فلأجل ذلك خلق الله سبحانه الخلق وبعث الرسل وأنزل الكتب وشرع الجهاد والاستشهاد... ومن أجله كانت الخصومة بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، ومن أجله أصلًا تقوم الدولة الإسلامية والخلافة الراشدة... قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ(1) أي: ليعبدونني وحدي.. وقال تعالى: ولقد بعثنا في كلِّ أمةٍ رسولًا أنِ اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت (2) .
وهذا الأمر أعظم عروة من عُرى الإسلام، و لاتقبل دعوة ولا جهاد ولا صلاة ولا صيام ولا زكاة ولا حج إلا به، ولا يمكن النجاة من النار دون التمسك به، إذ هو العروة الوحيدة التي ضمن الله تعالى لنا ألا تنفصم... أما ما سواها من عُرى الدين وشرائعه فلا تكفي وحدها دون هذه العروة للنجاة... قال تعالى: (قد تبيَّن الرُّشد مِن الغَيِّ فمن يكفر بالطاغوت ويُؤمن بالله فقد استمسك بالعُروة الوُثقى لا انفصام لها....(3) .
وقال سبحانه: (والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهمُ البشرى فبشر عباد(4) .
وتأمل كيف قدّم الله الكفرَ بالطاغوت واجتنابه في الذكر على الإيمان به والإنابة إليه سبحانه.. تمامًا كما قدم النفي على الإثبات في كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) ... وما ذلك إلا تنبيهًا على هذا الركن العظيم من هذه العروة الوثقى، فلا يصح الإيمان بالله ولا ينفع إلا بالكفر بالطاغوت أولًا...
(1) سورة الذاريات، الآية 56 .
(2) سورة النحل، الآية 36 .
(3) سورة البقرة، الآية 256 .
(4) سورة الزمر، الآية 17 .