والطاغوت الذي يجب عليك أن تكفر به وتجتنب عبادتَه لتستمسك بعروة النجاة الوثقى ليس فقط أحجارًا وأصنامًا وأشجارًا وقبورًا تُعبد بسجود أو دعاء أو نذر أو طواف وحسب... بل هو أعم من ذلك... فيشمل (كلَّ معبودٍ عُبِد من دون الله تعالى بأي نوعٍ من أنواع العبادة وهو غير منكر لذلك) (1) .
فالطاغوت مشتق من الطغيان وهو مجاوزة المخلوق حده الذي خلقه الله له... والعبادة أنواع، فكما أن السجود والركوع والدعاء والنذر والذبح عبادة فكذلك الطاعة في التشريع عبادة... قال تعالى عن النصارى: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله(2) . وهم لم يكونوا يسجدون أو يركعون لأحبارهم... لكن أطاعوهم في تحليل الحرام وتحريم الحلال وتواطؤوا معهم على ذلك فجعل الله تعالى ذلك اتخاذًا لهم أربابًا... لأن الطاعة في التشريع عبادة لا يجوز أن تُصرف لغير الله... فلو صرفها المرء لغير الله تعالى ولو في حُكمٍ واحدٍ كان بذلك مشركًا...
ويدل على هذا دلالة واضحة تلك المناظرة التي حصلت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان في شأن الميتة وتحريمها، حيث أراد المشركون أن يُقنعوا المسلمين بأنه لا فرق بين الشاة التي يذبحها المسلمون وبين الشاة التي تموت وحدها، بحجةٍ وشبهةٍ أنَّ الميتة إنما ذبحها الله تعالى، فأنزل الله تعالى حكمه في هذه الواقعة من فوق سابع سماءٍ فقال تعالى: (وإن أطعتموهم إنكم لمشركون((3) .
(1) يخرج بهذا القيد، من عُبِد من الملائكة والنبيين والصالحين وهو غير راضٍ بعبادته.. فلا يُسمى طاغوتًا ولا يُتبرء منه ولكن يُتبرء من عبادته وممن عبدوه كعيسى بن مريم عليه السلام .
(2) سورة التوبة، الآية 31 .
(3) سورة الأنعام، الآية 121 . وراجع سبب نزول هذه الآية ، فقد رواه الحاكم في مستدركه عن ابن عباس بإسناد صحيح .