الصفحة 162 من 389

الألفية الماضية. وهل مجازر القرن العشرين عار يطعن في تلك القيم الإنسانوية الغربية نفسها، أو هي مجرد انعكاس الصورة القوة غير المسبوقة للدولة الحديثة المقرونة بالإيديولوجية الراديكالية التي لا تعيقها المبادئ الأخلاقية؟ بالنسبة إلى الكثيرين، ومنهم بعض الإسلاميين، هذا تمييز من دون خلاف، فالوحشية اللاإنسانية تقدم البرهان على أن الغرب يفقد بوصلته الأخلاقية وهو مقبل على انحطاط ثقافي نهائي. والمسلمون ليسوا وحيدين في هذه الرؤية التي تنعكس أيضا في الاهتمامات الأخلاقية لأكثر الكنيسة الغربية أيضا.

ومراقبون عديدون لمشكلة القيم والأخلاق الكوكبية يطرحون هذه الأسئلة طرحة مشروعة، بغض النظر عن الدين. فمع نشر النسبية في القيم الأخلاقية ومع ذرذرة المجتمع المميزة للعالم الغربي بعد الحديث، كيف تستطيع أي مجموعة مترابطة من الاعتقاد الأخلاقي المستندة إلى النواحي الروحية أن تسود وتعلم المجتمع؟ وهل الأخلاق العلمانية الإنسانية قوية قوة كافية لتلهم القبول بها مصدرة للقيم عندما تكون مجردة من القوة العاطفية والإلهامية للدين، وللشعائر، وللطقوس الاحتفالية، وللثقافة؟ ربما لن يبقى على قيد الحياة في نهاية المطاف أي دين مستند إلى الأصل الإلهي بعد المنطق العنيد الذي لا يرحم للإنسانية في المجتمع ما بعد الحديث - وذلك هو على وجه الدقة ما يزعج الكثيرين من المسلمين إضافة إلى المسيحيين واليهود كذلك. وقد تمثل الإنسانية الأخلاقية العلمانية بالفعل مبادئ الأخلاق والحق وعلم الأخلاق والسلوك للمستقبل البعيد المدى في عالم ما بعد الحديث، وقد يكون الأمر هو أن الغرب ببساطة كان الأول في الوصول (جزئية) إلى هذه المرحلة من التقدم، في مختلف الأحوال والظروف سواء أكان خيرة أم شرة. ومسألة مصدر القيم برمتها تبقى مفتوحة للحوار وهي مسألة يتابعها المسلمون باهتمام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت