الصفحة 29 من 389

العالم، وفي جملتها الصين أو الهند. وإلى جانب ذلك، وعند النظر إلى ذلك نظرة إيجابية، فإن هذه الحقيقة الواقعة تعبر عن قوة الحضارة الإسلامية التاريخية، وعن قدرتها على تأدية وظيفتها أداء حسنا طوال فترات طويلة. وبالفعل، فما من ثقافة أخرى في تاريخ العالم تستطيع مثلها أن تتحدث عن حضارة عالية مستمرة طوال فترة من الزمن تساويها في طولها، وتغطي منطقة من العالم في مثل تنوعها الجغرافي وامتدادها. إن هذه الحضارة شكلت قلب نظام العالم لمدة أطول بكثير من مدة الحضارة الغربية، وفوق منطقة أوسع بكثير منها. فكيف لا يكون للمسلمين، لذلك، أن يفكروا في أنفسهم بوصفهم ربما حضارة العالم المبرزة - ولو انحدرت إلى حين

ولكن المظهر السلبي لقوة المقاومة هذه من الحضارة الإسلامية هو أن المسلمين لم يكونوا مهيئين من أجل تحول في ميزان القوة والإبداع بعيدة عنهم ابتداء من وقت ما حوالي القرن الخامس عشر، على رغم أن الدليل على وجود تغيير ثوري جار في العالم الغربي كان مطروحا أمام عيون المسلمين، وكان هذا يتطلب الاعتراف العاجل بأن المجتمعات الإسلامية كانت قد بدأت بالانهيار بطريقة ما. وبالفعل، إن أحد تبجحات أي حضارة متقدمة وآمنة، مثلما يبين ذلك تاريخ الحضارة الصينية، والهندية، والإسلامية، هو كون الحضارة غير قادرة على أن تعتقد أن البرابرة الخارجيين يستطيعون امتلاك أي شيء جاد ليقدموه. (هل يجب علينا أن نلاحظ يقيننا الغربي المعاصر في أن النظام الغربي الحاضر يمثل النموذج النهائي للتاريخ وأنه لم يبق هناك أي شيء لتعلمه من الآخرين؟) والمؤلم على نحو مساو بالنسبة إلى المسلمين، هو أن الغرب، طوال عدة مئات مضت من السنين، قد عزز هذه الرسالة بشكل مستمر، وبشكل واضح وخفي معا وهي أنه الآن يقدم منتجة حضارية أعلى. وفي الواقع، فإن تخلف المجتمعات الإسلامية حقيقة يعترف بها الجميع، ومنهم المسلمون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت