نفس الأساليب التي قام الفرنسيون بتبنيها لاحقا. فلم يكن التحيز هو ما حركه ولكن المخاوف من ظهور قوة مهيمنة، ولقد ذهب إلى حد قبول تصرف فرنسا المعارض لإنجلترا خلال الحروب الإنجليزية / الهولندية؛ إذ يقول بإن ذلك التصرف كان صحيحا نظرا لأنه عندما حقق الإنجليز الفوز"عقد ملك فرنسا، كأمير حكيم، العزم على مساندة الطرف المهزوم، ولم يكن ليسمح بعد ذلك بوقوع القوة البحرية في يد واحدة تماما مثلما كان سيعارض خضوع أوروبا لملك واحد" (1969: 89 , Halifax) . وقد كان هاليفاکس شبيها ببيثل في إظهاره بنفس الدرجة سياسات إنجلترا الهادفة لتحقيق التوازن في القوى على مدى قرون مضت، حيث أطلق على إنجلترا القرن السادس عشر لقب"الحكم الدائم"بين فرنسا واسبانيا، كما يظهر ذلك في انتقاده کرومويل لخوضه حرب ضد اسپانيا بدعوي أن ذلك كان له تبعات سلبية على توازن القوى السائد (المصدر نفسه) .
أدت السياسات التوسعية لفرنسا في ظل حكم لويس الرابع عشر إلى تسارع كبير في تطور نظرية توازن القوى. وكما ذکر مارتن وايت (Martin Wight) ، فإنه"إذا كان الكفاح ضد فيليب الثاني هو جعل توازن القوى يعمل بصورة منهجية، فإن الكفاح ضد لويس الرابع عشر هو ما رفع توازن القوى إلى مرتبة النظرية" (1973: 97 , Wight) ، وبحلول هذا الوقت كانت فكرة توازن القوى قد دخلت بصورة واضحة نوعا ما إلى التيار الرئيس للفكر الأوروبي فيما يتعلق بالعلاقات الدولية. وقد لفت باترفيلد الانتباه إلى الحقيقة التي مفادها أنه يمكن اكتشاف الإشارات إلى توازنات القوى بدءا من القرن السادس عشر، ولكنها ستكون قليلة بعض الشيء من حيث العدد، ولكن بدءا من عام 1900 فصاعدا لا تصير هذه الإشارات عديدة فحسب، بل يصبح معناها هو الآخر أكثر وضوحا. وانطلاقا من منتصف ذلك القرن فصاعدا"تبدأ الإشارات في التدفق بصورة مذهلة. وحسبما أرى فإن العقيدة لم تتطور ذلك التطور اللافت للنظر سوى عند هذه النقطة" (1966: 139 , Butterfield) لم يكن من قبيل المصادفة أن ازدهر مفهوم توازن القوى في العلاقات الدولية خلال حقبة نيوتن في أواخر القرن السابع عشر، وهي الحقبة التي سيطر عليها الانبهار العقلي بآليات عمل الكون، لأنه وكما ذكر وايت (1979: 168) "إن توازن القوى هو مبدأ ما يمكن أن نسميه بآليات سياسة القوة، وتعد الاستعارة الآلية مفيدة في وصف العلاقات الدولية". لقد نشر کيپلر قوانين الحركة الكونية في عام 1919، وبحلول عام 1987 كان نيوتن قد طور قوانين الجاذبية، وهكذا فإن المادة المتاحة للتمثيل كانت آخذة في التزايد بصورة مطردة.