الاتزان الأوروبي والازمة العامة
هناك عدد من الملامح الهامة التي تتجلى بوضوح عند السعي لتفسير انتصار فكرة توازن القوي خلال العقود الأخيرة من القرن السابع عشر في أوروبا، ويعد بروز الدولة ذات السيادة في غرب أوروبا وما صاحبها من إضفاء للصبغة المركزية على القوة السياسية والعسكرية من بين هذه العوامل. وقد كان مثال النظام الدولي الإيطالي المبكر أهمية كبيرة، ولكن ربما تكون التأملات التي صدرت بخصوصه عن جيل لاحق من المؤرخين الإيطاليين الأمر الأكثر أهمية. وقد عملت الطباعة على نشر تفسيراتهم عبر أوروبا. كما افضى الانقسام الطائفي لأوروبا، الذي نتج عن حركة الإصلاح الديني (the Reformation) وقبول مبدا"حيث يكون الحاكم، يكون دين الدولة" (, cuius regio eius religio) ، إلى إنهاء وحدة العالم المسيحي وساعد على إفراز نظام دولي يتالف من عدد كبير من الدول ذات القوة المتكافئة. كما أدت الثورة العلمية إلى إنتاج ثروة من الاستعارات بالإضافة إلى انبهار بآليات التوازن، كل هذه العوامل ساعدت في تفسير السبب وراء ظهور فكرة توازن القوى بهذا القدر الكبير من القوة، ولكنها ليست كافية في حد ذاتها. وفي الواقع فقد حددت الدراسات السابقة لمناشيء سياسة توازن القوة العديد من مثل هذه العوامل الهامة التي أسهمت في حدوث ذلك. ولكن ما لم تشرحه بشكل كامل هو السبب وراء كون هذه العوامل مؤثرة بهذا القدر بعد عام 1950؛ إذ أن العديد منها كان موجودا خلال القرن السادس عشر دون أن يتمخض عن تاثير مشابه، وقد توفرت بعض العوامل المشابهة في العالم الإغريقي القديم دون أن تفضي إلى نفس النتيجة، وتكمن الإجابة على هذا الشذوذ في الظاهرة التي غالبا ما يتم الإشارة إليها ب"الأزمة العامة"للقرن السابع عشر، والتي كانت نفسها ناتجة عن فوي چري تحريکھا خلال القرن السابق. ويقول تيودور راب (Theodore Rabb) في دراسته الممتازة لهذا الموضوع إن الأزمة المعنية كانت تتعلق بموقع السلطة،"في عالم أصبح فيه كل شيء مشكوك به، وحيث سادت تلك الحالة من عدم اليقين وعدم الاستقرار، هل يستطيع الواحد منا الحصول على ضمائة وسيطرة وقبول مشترك لبعض المني في الوقت الذي لا يبدو فيه أن يمكن التوصل إلى أي منها؟" (1972: 33 , Rabb) لقد برزت أزمة السلطة كنتيجة لكل من عصر النهضة وحركة الإصلاح الديني؛ حيث أعادت هاتان الظاهرتان تشکيل نظرة الأوروبيين إلى العالم وإلى مكانة الجنس البشري في الكون بشكل كلي، حيث تشارك الأوروبيون خلال العصور الوسطى في نظرتهم للعالم، ورأوا فيها الكون على أنه بناء هرمي يحتل الرب فيه مكانة القمة، وأن الجنس البشري مذنب