الصفحة 78 من 246

صفة الفردية والشخصية إلى الدول، تايلور (1978: 27 , Taylor) ، إذ أن اليونانيين لم يتحدثوا عن قيام"بلاد فارس"أو"طيبة"بعمل ما، وإنما تحدثوا عن"الفرس"و"الطيبين"وقد أعاق هذا الأمر صياغة اليونانيين لنظرية حول العلاقات بين الدول بتلك الطريقة. وقد كان هذا مهما نظرا لأنه، وكما رأينا في الفصل السابق، فإن مفهوم توازن القوى جزء لا يتجزأ من نظرة معينة لطبيعة الإنسان، وطبيعة القوة، والعلاقات بين الدول في إطار نظام للعلاقات الدولية. وما لم تكن هذه الأشياء موجودة فإنه من الصعب صياغة مفهوم سياسة توازن القوى والتهديد بها، وقد يفسر هذا بوضوح عدم ظهور هذا المفهوم بالشكل الملائم حتى بدأت الدولة القومية ذاتها في الظهور، كما أنه لم يصبح مكتمل التشكل إلا بعدما شرعت أوروبا في تكوين نظام دولي حقيقي، ويعود أحد الأمثلة النادرة على هذا النوع من التفكير المميز لمنظور توازن القوى إلى الحقبة الرومانية المبكرة عندما امتدح بوليبيوس هبيرو حاکم سيراکيوز لقيامه بدعم القرطاجيين ضد روما لأن هزيمة القرطاجيين كانت ستسمح لروما بالسيطرة على منطقة البحر المتوسط وهو ما تمكنت من تحقيقه بالفعل في النهاية

لقد غابت فكرة توازن القوى عن العالم اليوناني القديم. وتفرض التاملات المعاصرة مثل تلك التي عبر عنها والتز (Waltz) (1979: 127) ، والتي تحدد سياسات التوازن القوى في اليونان القديم من أجل إيجاد سياق تاريخي لممارسة توازن القوى إطارا على نمط من الأحداث ينبغي البحث عن تفسير له بدلا من ذلك في النظرة النظرة اليونانية إلى العالم في تلك الحقبة. ولكن غياب التنظير فيما يتعلق بالعلاقات الدولية وتوازنات القوى في اليونان القديم يعد أمرا لافتاء إذ تكشفت الثقافة اليونانية في هذه الحقبة عن العديد من العناصر التي اجتمعت لتفرز نظرية توازن القوى في أوروبا بعد 2000 عام من ذلك التاريخ. ولكن عدم إتحاد هذه العناصر لإنتاج الأثر نفسه في اليونان القديم هو أمر مهم.

فاليونان كانت تتالف من عدد كبير للغاية من الدويلات المستقلة والتي كان من بينها مجموعة أساسية من"القوى العظمي"ذات القوى المتعادلة تقريبا، وكان اليونانيون ملتزمين بشغف شديد بفكرة الاستقلال وسلطة كل دولة من الدول المدينية. ولم تكن الفكرة القاضية بتوحيد اليونان في"دولة واحدة"تتوارد إلى أذهانهم كثيرا وعندما كان يحدث ذلك، فإنها عادة ما كانت تقابل بالامتعاض الشديد

ولهذا فإن معارضة الهيمنة كانت على نفس الدرجة من الكبر، إن لم تكن أكبر، مما كانت عليه لاحقا في النظام الأوروبي. ومن هذا المنظور فإن النظام اليوناني عكس النظام

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت