الصفحة 82 من 246

هو حتمي في عمل توازن القوى، وفي الواقع فإن أحد الملامح البارزة في السجل التاريخي هو غياب نظرية وتطبيق مقاربة توازن القوى من غالبية التاريخ المسجل. وبعيدا عن أن تكون أحد الملامح الحتمية للعلاقات الدولية، تعد فكرة توازن القوى احد التطورات المعاصرة إلى حد كبير للغاية، إذ أنها وليدة عصر النهضة، فالعصور الوسطى الإقطاعية م تتسم بنظام قائم على الدولة المستقلة، ولكن بنظام سعت دوله إلى السلطة الممثلة في البابا والإمبراطور. ومع ذلك فإن هذه الفترة قد قدمت أدلة على تفكير كانت نذيرا بتطور فکر حقيقي لتوازن القوى. وهكذا فقد وصف کومين (Philippe de Commines) ، الذي كان دبلوماسيا عمل في خدمة فرنسا وبرباندي خلال أواخر القرن الخامس عشر، أوروبا بانها نمط تتم فيه موزانة قوة الدول بقوة جاراتها او خصومها القريبين، وبهذا فقد وازنت إسكوتلندا إنجلترا، وإنجلترا فرنسا، وأسبانيا البرتغال والبندقية فلورنسا، وهكذا دواليك. ولكن هذا عكس ببساطة مبل الدول التي تربطها حدود مشتركة إلى أن تكون معنية على وجه الخصوص بقوة وسياسات جيرانها المباشرين، وبهذه الطريقة فإنها لم تكن وصفا لسياسة توازن للفوي. ولم تبدأ طرق جديدة من التفكير حول السياسة الدولية في الطفو إلى السطح إلا مع نهاية العصور الوسطى وبداية فترة عصر النهضة وبداية ظهور الدولة بصورتها الأكثر معاصرة، ولم يظهر هذا التفكير على الصعيد الأوروبي ولكن في العالم المصغر الذي كان يمثله نظام الدول المدينية الإيطالية في أواخر القرن الخامس عشر، والذي يقول كابلان بانه"يبدو للوهلة الأولى كما لو كان بشكل مقاربة تاريخية وثيقة الصلة بالنموذج إلى حد يماثل ذلك الذي يمكن أن نجده في ظل قيود العالم الحقيقي" (1968: 399) . إلى حد ما سبق التطبيق تطور النظرية، ولقد عبر العديد من المؤرخين عن إيطاليا في أواخر القرن الخامس عشر باستخدام نموذج التوازن القوى، والذي حاولت فيه الدول المدينية الخمسة الأكثر قوة الحيلولة دون وقوع إيطاليا بأسرها تحت سيطرة أية قوة واحدة. ويقول باترفيلد على سبيل المثال بان النظام الفرعي الإيطالي المتميز جغرافيا وسياسيا قد افرز نظاما دوليا مصغرا وأنه"في إطار هذه الساحة سترغب الدول في دعم القوة الأقل تهديدا وإخافة بالنسبة لهم ضد القوة التي يخشونها بدرجة أكبر" (1943: 125) ، وكان ينظر إلى البندقية على أنها المصدر الأساسي للتهديد، في حين كانت فلورنسا تحت حكم لورينزو دي ميديشي (Lorenzo de Medici) المؤيد الرئيس للسياسات الهادفة إلى إحداث توازن في القوي، ويعد تصريح نيلسون أحد التصريحات الكلاسيكية حول هذا الطرح؟ إذ يقول (1943: 125) بإن العلاقات الدولية المعاصرة يمكن تتبع تاريخها إلى الوراء حتى 99 - 1450 تقريبا في إيطالياء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت