وذلك إذا اعتبرنا أن معاييرنا في 1494 ذلك هي وجود نظام قوامه الدول وتبني سياسات التوازن القوى بغرض ضبط المنافسة بين الدول الإقليمية المركزية، ويؤكد نيلسون على أن المنافسة بين الدول الإيطالية الخمسة الكبرى"أدت إلى ظهور سياسة توازن القوى بالمعني الكامل لها (1943: 126 , Nelson) ، وقد تمثلت تلك الدول الخمسة في البندقية، وميلانو وفلورنسا، ونابولي، والدول البابوية. وكانت البندقية تعد بمثابة الدولة الأقوى والأكثر عدائية بين هذه الدول، وعلى مدار قدر كبير من الفترة بين عامي 99 - 1450 تمت"موازنة قوتها بكوكبة متقلبة من التحالفات، كان الأكثر تكرارا فيما بينها يتمثل في التحالف الثلاثي بين كل من فلورنسا وميلانو ونابولي. وقد أدى دخول القوة الفرنسية إلى شبه الجزيرة الإيطالية عام
149 إلى تدمير النظام الإيطالي، لكنه وعلى مدار الخمسين سنة التي سبقت هذا الحدث كانت شبه الجزيرة الإيطالية أما في حالة سلم نسبية نتيجة لفعل سياسة توازن القوى" (126: 1943 , Nelson) ، ومن المؤكد أن الإيطاليين في بواكير القرن السادس عشر قد نظروا إلى العقد الثامن من القرن الخامس عشر على أنه عصر ذهبي كانت فيه إيطاليا- وفقا الكلمات ميكيافيلي"in un certo mode bilanciata"- وقد لعب ميكيافيلي دورا هاما ولكن غير مباشر في تطور مفهوم توازن القوى؛ حيث أنه لم يكتب مطلقا عن سياسات التوازن واصفا إياها بهذا الوصف، ولكنه ساعد على وضع أسس نظرية العلاقات الدولية التي يعد توازن القوى من العناصر المترسخة فيها. وعلى وجه الخصوص فلقد أسس ميكيافيلي لفكرة كون الدولة سلطة أخلاقية لها حق المطالبة بالولاء من مواطنيها، وكيان سياسي له"حقوق"يمكن تحديدها والدفاع عنها، سافيجير (1978: 35 , Savigear) ، ولكن تقبل هذا المفهوم بشكل كامل كان عليه أن ينتظر علمنة السياسة ولم يتحقق بصور كاملة حتى عقد صلح وستفاليا (The peace of Westphalia) ، عام 1948، وتمثل ثان أكبر إسهام الميكيافيلي في الفكرة التي مفادها أن الدولة لا تتحدد فقط بعملها الداخلي، ولكن أيضا بعلاقاتها مع الدول الأخرى، والتي تقول أيضا بوجود نظام دولي يربط الدول ببعضها البعض، وهو النظام الذي كان يتميز ببنية معينة سافيجير (1978: 37 , Savigear) ، ولم يتناول ميكيافيلي بالتأمل المنطق الكامن وراء الأحلاف التي شكلها قادة فلورنسا لاحتواء الدول التوسعية في إيطاليا، كما أن البنية الكامنة للعلاقات الدولية التي تلمسها لا تبدو كما لو كانت محكومة بمبدأ القوة المتوازنة"
وبالمثل فقد وصف الباحثان الفلورنسيان، روتشيلاي وجوتشيارديني، إيطاليا خلال الثمانينيات من القرن الخامس عشر بأنها متوازنة بين البندقية ذات السياسة التوسعية من جهة، والحلف الذي يشمل فلورنسا ونابولي وميلانو من جهة أخرى. ووفقا