الصفحة 132 من 180

سقطت تحت ضربات التدخل الأجنبي الغربي لأنها بقيت حركة عسكرية بيروقراطية وفوقية عاجزة عن تعبئة الطاقات العربية الفاعلة في تلك الحقبة، والموزعة في معظم أرجاء الإمبراطورية العثمانية الواسعة.

والثانية: هي تجربة الثورة الناصرية.

وهذه المحاولة، هي الأخرى، فشلت لأن نظامها كان يشلك في المبادرة العقلية والأيديولوجية ومياه إلى محو كل ما سبقه، وضعيف التقدير لأهمية العوامل الاقتصادية ومشاكل الاستقلال الاقتصادي والتنمية، فلم يقبل من الفكر والأيديولوجية إلا ما يدعم مركزه السياسي، ولم يقم في مجال التنمية إلا بما يقوي من مركزه الاجتماعي ويحفظ له قاعدة الولاء التقليدية أو الجديدة

انهيار هاتين المحاولتين أعاد المجتمع العربي إلى أزمته المفتوحة

ما هي هذه الأزمة المفتوحة

هي انهيار التوازنات الاجتماعية والإقليمية، التي خلفها وضمنها النظام القومي، وانفتاح الصراع من جديد بين مختلف مكونات الجماعة العربية: الفكرية والسياسية والاجتماعية والدينية والطائفية على مصراعيه، من أجل إعادة توزيع الثروة والمواقع السياسية والاجتماعية، ومن ثم انحلال روابط التضامن الداخلي والإقليمي، وانفلات القوى دون ضابط، والجنوح نحو سياسات الانكفاء على الذات وخدمة المصالح الأنانية، أي زوال العام وصعود الخاص إلى مقدمة المسرح الاجتماعي،

ويستعرض الدكتور غليون، هنا، مظاهر الأزمة الراهنة، ويفسر عجز المجتمع العربي من طرح البديل للخروج من المأزق، وتحديد معالم سياسة قومية بديلة. وينتقد، بالتالي، النظرات المتعددة التفسير الأزمة وتحليلها هذه النظرات التي تتسم بغياب الوعي الموضوعي بابعاد المشكلة الاجتماعية والتاريخية، وغياب الرؤية الواضحة والتصور السليم والتفسير المقنع الذي يخلق إرادة الفعل، ويفتح أفق العمل ويبعث في الإنسان الأمل"."

أما قوى التغيير الاجتماعية التي توجد في الوضع العربي، فإن ضعفها الرئيسي عند الدكتور غليون- راجع إلى ضعف الحركة القومية والمعارضة السياسية في العديد من البلدان العربية، هذه الحركة التي ما زالت تنطلق من نفس المنطلقات الفكرية والأيديولوجية للنظم القائمة، وكل معركتها مازالت مركزة على تأكيد تفوق النظام القومي العربي (الناصري السابق على النظم اليمينية القائمة. وهي معركة خاسرة سلفا، لأنها تدافع عن الماضي، وعن نظام فقد مصداقيته لانه، بالضبط، لم يستطع أن يثبت جدارته وفعاليته

ومن هنا، فإن الباحث يرى أن اليسار القومي لن يستطيع أن يسترجع المبادرة التاريخية بالإصرار على الدفاع عن نظام تتطلع الجماهير إلى تجاوزه، وتنظر إليه كتجرية من التجارب المجهضة، فقد تغيرت العقود وتبدلت خارطة القوى الاجتماعية العربية وتوجهاتها السياسية والنفسية، كما تغيرت الظروف الخارجية. .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت