حينما نلقي نظرة عامة سريعة على القرن العشرين من حيث موقف السلطات (بما فيها سلطة تقاليد المجتمع) من حرية الفكر والإبداع ستواجهنا حقيقة مدهشة: وهي أن النصف الأول من ذلك القرن كان أكثر احتراما لحرية الفكر والإبداع من نصفه الثاني.
واذا عرفنا أن النصف الأول من القرن العشرين هو النصف الذي خضعت فيه مصر (ومعظم البلاد العربية) لحكم الاستعمار والرأسمالية والإقطاع، بينما كان الحكم في نصفه الثاني هو حكم الثورات الوطنية وقادة حركة التحرر العربية، فإن دهشتنا تتحول إلى عجب مخلوط بالمرارة، لأن المعنى الوحيد لهذه المفارقة هو أن حكومات الاستعمار والرأسمالية والإقطاع كانت أرفق بالمفكرين والمبدعين وأقل تعنتا إزاء حرية الراي، من حكوماتنا الوطنية التحريرية التي جاءت على موعد مع القدر
فالراصد سيجد أن الخمسين عاما الأولى من القرن العشرين لم تسجل سوى ثلاث وقائع تست فيها مصادرة الراي و الإبداع، واقعة مصادرة كتاب طه حسين في الشعر الجاهلي"، وواقعة مصادرة كتاب الشيخ علي عبد الرازق"الإسلام وأصول الحكم ومصادرة كتاب أنور كامل الكتاب المنبوة"عام 1935 ء"
ومع الخمسين عاما الثانية من القرن، تحررت بلدان عربية عدة، وتولي السلطة فيها حکام وطنيون، وتوقع الجميع أن تشهد حرية الفكر والإبداع ازدهارة لم تشهده في ظل حكم الاستعمار وعملائه، لكن الحركة كانت عكسية، ففي مقابل حالات المصادرة الثلاث التي شهدها النصف الأول حفل النصف الثاني بالعشرات والعشرات من حالات المصادرة، السياسية أو القضائية أو الإدارية، بدءا من مصادرة أولاد حارتنا"لنجيب محفوظ 1959، ومحاكمة كتاب صادق جلال العظم"تقد الفكر الديني ومجموعة قصص ليل بعلبكي سفينة حنان إلى القمر، وانتهاء بمصادرة كتب وزواج وإقامة نصر حامد أبو زيد 1993، ومصادرة رقية نجيب محفوظ وحياة فرج فودة، في النصف الأول من التسعينيات، مرورا بمصادرة من هنا نبدا لخالد محمد خالد، والحسين ثائرا وشهيدا"لعبد الرحمن الشرقاوي، و الفتوحات المكية لابن عربي، وباب الفتوح لمحمود دياب، وهوامش على دفتر النكسة لنزار قباني، وفيلم"المهاجر ليوسف شاهين، وديوان"آية جيم لحسن طلب، وقصيدة"انت الوشم الباقي"لعبد المنعم رمضان، ورواية"مسافة في عقل رجل لعلاء حامد وغيرها. ونلفت الانتباه إلى أن هذا الرصد (التمثيلي) يخلو من وقائع الاعتقالات والفصل الجماعية الكبرى التي تمت ضد أصحاب الفكر المخالفه من الشيوعيين تارة، والإخوان المسلمين تارة، وأعضاء الاتحاد الاشتراكي أيضا.