يتفق معظم مؤرخي ثورة يوليو/تموز المصرية باختلاف اتجاهاتهم الفكرية وانتماءاتهم السياسية على أن هذه الثورة لم تكن تملك حين قامت"نظرية واضحة محددة. إذ لم يتعد استادها النظري أكثر من برنامج الأهداف السنة، الذي أعلنته غداة قيامها، محتويا على اغراض عامة ستحققها الثورة، مثل القضاء على الملكية وطرد الملك فاروق، وإقامة جمهورية، والقضاء على الإقطاع والاحتكار الأجنبي، وتكوين جيش وطني، وإقامة حياة ديمقراطية سليمة"
والواقع أننا لو تأملنا فمة تنظيم الضباط الأحرار ومجلس قيادة الثورة، سندرلك على الفور سبب عدم قدرة الثورة على طرح أو تبني نظرية اجتماعية أيديولوجية سياسية معينة، واضحة محددة
فقد كانت قمة تنظيم الضباط الأحرار ومجلس قيادة الثورة، مزيجا من الاتجاهات السياسية الوطنية المختلفة: الإخوان المسلمون، الليبراليون، الشيوعيون، الوطنيون غير المنتمين أيديولوجيا، فكان مجلس قيادة الثورة، بهذا المزيج، أشبه بجبهة وطنية، لا تسمح بتبني نظرية فكرية واحدة بنتهجها جميع الأعضاء
كما كانت التركيبة الأجتماعية لهؤلاء القادة من ضباط الثورة تضعهم جميعا في طبقة البرجوازية الصغيرة الوطنية، بطبيعتها المتذبذبة (بين اليسار واليمين، بين الصمود والسقوط) وبوطنيتها ضيقة الأفق وثوريتها قصيرة النفس، وسمتها المصلحية المتبدلة.
وأضاف الطابع العسكريتاري (المصطلح للمؤرخ والكاتب صلاح عيسي) على التنظيم مليعا جديدا، بجوار ملمح المزيج الجبهوي وملمع البرجوازية الصغيرة، هو التعامل الحربي مع التيارات المختلفة فكريا وتنظيمها، والميل إلى حلول"الضبط والريطة السائدة في القوات المسلحة، والإسراع إلى التصفية الفكرية أو التنظيمية أو الجسدية عند اشتجار الخلاف مع فريق من الفرقاء >"
وإذا تجمعت لدينا هذه الملامح جميعا، أمكننا أن نعرف كيف ستتعامل قيادة الثورة الوطنية مع التيارات الفكرية المطروحة على الساحة المصرية، ومع الثقافة والأدب والمثقفين بشكل أخص.
وكان لابد لهذا التركيب المثلث (مزيج التيارات ذو الشكل الجبهوي الطبيعة البرجوازية الصغيرة الملمح العسكريتاري) أن ينتج لدى قيادة الثورة قاعة بعدم الاعتداد بضرورة انتهاج نظرية اجتماعية فكرية محددة، اكتفاء بالحس الوطني والنوايا الطيبة والإخلاص الحماسي. كما كان لابد أن يخلف