واحدة من أخطر الطوابع التي طبعت الثورة، وهو الطابع التجريبي، البراجماتي"، المؤسس على شعار التجربة والخطا"، بنزوع عملي نفي ملحوظ.
تحت شعار"التجربة والخطأ"راحت الثورة في سنواتها الأولى بخاصة، تضرب في كل اتجاه وتضع قدما على كل طريق.
تعاملت مع المعسكر الاشتراكي في نفس الوقت الذي تعاملت فيه مع المعسكر الإمبريالي، ولم تبتعد عن المعسكر الإمبريالي إلا بعد أن أوضحت لها تجربتها العملية أن الاستعمار لا يريد تقدم الشعوب والأوطان المستقلة حديثا، فتقاربت مع المعسكر الاشتراكي ودول الكتلة الشرقية (صفقة السلاح مع تشيكوسلوفاكيا)
وبنفس هذه البراجماتية تعاملت مع المسألة الدينية. لقد حلت الأحزاب السابقة عليها، لكنها أبقت على جمعية الإخوان المسلمين، إلى أن اصطدمت بها الاصطدام المروع بعد حادث المنشية 1954، الذي حاول فيه الإخوان المسلمون اغتيال جمال عبد الناصر بالإسكندرية، فزجت الثورة بالآلاف من أعضاء الجمعية إلى السجون، ثم تكررت نفس المأساة عام 1965 باعتقال الآلاف واعدام اقطاب الإخوان المسلمين، وعلى رأسهم سيد قطب، الذي كان جسر التحول من فكر الإخوان المسلمين إلى فكر التيارات الإسلامية السياسية المتطرفة، التي تفشت واستقرت فكرا وتنظيما- منذ أواسط السبعينيات حتى لحظتنا الراهنة.
لقد أخذت الثورة من الاتجاه الديني بقدر ما تحتاج لإضفاء صبغة شرعية دينية على نفسها ولكنها لم تسمح له بالحركة الفعلية، سياسيا وعمليا، فأعلت من شان"الأزهر"كمؤسسة رسمية، لكنها لم تسمح له بسيادة دينية لاهوتية، وحولته إلى جامعة"مدنية في ملولك علماني جرئ."
وكان هذا هو ما حدث على الجهة المقابلة مع الاتجاهات الاشتراكية. رفعت شعارات التعاون والاشتراكية والجماهير الكادحة، واستعانت ببعض الاشتراكيين، ولكن في إطار متناقض مركبة
أ- فهي من ناحية تعلن أنها تتبنى الطريق الاشتراكي، وتنحاز إلى الطبقات الفقيرة، والعمال والفلاحين خاصة.
به رهي من ناحية ثانية، تصدر الميثاق الوطني عام 1992، ليكون بمثابة"نظريتها ودليل العمل الثوري"، متضمنا في آن واحد
النص على إسلامية الدولة المصرية والنص على الاشتراكية العلمية والنص على الطريق العربي للاشتراكية والنص على خمسين بالمائة للعمال والفلاحين في المجالس التشريعية والنيابية والنص على"الرأسمالية الوطنية غير المستغلة". والنص على"تذويب الفوارق بين الطبقات بديلا لسيطرة"البروليتاريا والنص على تقسيم طبقات المجتمع تقسيما فئويا غير طبقي، هو"العمال الفلاحون الجنود"