الصفحة 38 من 180

المفارقة أن يحاسب الناقد عصفور على آراء لم يقل بها، وإنما قال بها ضيف من ضيوف المجلس في ندوة فكرية مفتوحة (إن كان فيها اصلا مساس بأية مقدسات) .

إزاء هذه العودة غير الميمونة لقضايا الحسبة تسوق التعليقات الموجزة التالية

1 -ينبغي أن يواصل المثقفون كفاحهم ضد قانون"الحسية من أجل إلغائه إلغاء تاما، وقد جانب المثقفون المصريون الصواب حينما أبتهجوا بنقل الحسبة إلى يد الإدارة أو النيابة، فليست الإدارة أكثر تسامحا مع حرية الفكر من المتطرفين، ويمكن لهذه الإدارة أن تحرلك قانون الحسبة نفسه في مواجهة المفكرين والمبدعين المستنيرين، غدا أو بعد غد، أما النيابة، فإنها تنطلق من الأرضية التقليدية التي ينطلق منها رافعو فضايا الحسبة، فالمرجعية واحدة، وهي التي تحاكم الإبداع والفن بمعايير غير فنية وغير أدبية."

2 -صحيح اننا في مصر ليس لدينا رقابة على الكتب، وهذه ميزة نمتاز بها عن دول عربية أخرى، وأن الأمر عندنا موكل إلى القضاء، لكن المشكلة هي أن القضاء يستند على أسس تشريعية توصله إلى النتائج التي تهدف إليها المتطرفون

3 -لن تجاوز في الأدب والفكر ليس"جريمة جنائية كالقتل والسرقة وقطع الطريق، وعلى ذلك فلا يصح مواجهته بالحبس أو المصادرة، بل ينبغي أن تتم مواجهته بالنقد الفكري والسجال المنهجي والدحض النظري، عبر مقارعة الحجة بالحجة، والراي بالرأي، ولعل شيئا من ذلك هو ما قصده الدكتور صلاح فضل حينما علق على الحكم بحبس ليلى العثمان وعالية شعبده، مندهشا"لعل الحكم بالسجن الصادر من محكمة كويتية، ضد الكاتبتين عالية شعيب وليلى العثمان، يكون السابقة الأولى من نوعها في الثقافة العربية الحديثة، في مقاضاة الفكر الإبداعي للمراة، وتجريم الخطاب الأدبي، المتمثل في الشعر والقصة، مع عدم انتمائه للبحث الديني او السلوك العملي المباشر، بل لا اكاد اعرف حكما قضائيا من قبل، بدين التعبير الشعري والقصصي بقوانين وضعت لضبط سلوك الأفراد في المجتمع، وضمان حرياتهم الفردية والحفاظ على منظومة القيم العامة

-على ذلك فإن الحكم على الأدب والفكر والإبداع مجاله القراء والجمهور والنقاد والحوار والحركة الثقافية والفكرية، وليس مجاله المحاكم والسجون.

التدين علاقة بين العبد وربه، أما المواطنة فحق الجميع، والشعار العظيم"الدين لله والوطن للجميع ليس سوى ابتكار مصري خالد، ولابد أن يترجم هذا الشعار المصري (الذي ابتدعته ثورة 1919) إلى تشريعات، وبنود قانونية، في شتى نواحي الحياة، بما فيها الأدب والفكر والفن، بما لا يجعل الفرد وصاية على فرد (باسم الأخلاق الحميدة وبما لا يساوي بين خيال المبدعين وخيال تجار المخدرات."

الحياة (1999)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت